2026/08/23
الذهب: $4,608.18 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1682 (LIVE)
الأخبار
الاكتتاب التأميني في عصر الذكاء الاصطناعي: ثورة التنبؤ وإدارة المخاطر
مشاهد وأحداث

الاكتتاب التأميني في عصر الذكاء الاصطناعي: ثورة التنبؤ وإدارة المخاطر

22 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

مقدمة:

في مقر شركة تأمين تقليدية في أي مكان في العالم، قد يقوم مكتتب التأمين يملك العديد من سنوات الخبرة بقضاء أسابيع في مراجعة ملفات طبية واستبيانات صحية لاتخاذ قرار بقبول أو رفض بوليصة تأمين على الحياة.

ولكن في شركة مثل «ميونيخ ري» الألمانية، تقوم منصة «أليثيا» بتحليل السجلات الصحية الإلكترونية واتخاذ قرارات ملزمة في أقل من 48 ساعة في 75% من الحالات.

هذا التحول ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة تشكيل جذرية لوظيفة الاكتتاب التأميني، تلك الوظيفة التي ظلت لعقود تعتمد على الحدس البشري والجداول الإحصائية الثابتة. فالذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليحل محل المكتتب، بل ليحوله من قارئ للبيانات إلى محلل للقرارات.

يأتي هذا التحول في لحظة حساسة، فحجم سوق الذكاء الاصطناعي في التأمين بلغ نحو 20.9 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يتضاعف إلى 329.8 مليار دولار بحلول عام 2035 بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 31%.

وهذا النمو الهائل لا يعكس مجرد تبني تكنولوجيا جديدة، بل تحولاً هيكلياً في صناعة تعتمد في جوهرها على التنبؤ بالمستقبل.

من الاكتتاب التقليدي إلى الاكتتاب الذكي

الاكتتاب التأميني هو العمود الفقري لأي شركة تأمين، فهي العملية التي تحدد فيها الشركة ما إذا كانت ستقبل المخاطرة أم لا وبأي سعر، ففي النموذج التقليدي كان المكتتب يعتمد على الخبرة البشرية والبيانات التاريخية المحدودة والجداول الإحصائية الثابتة، لكن هذا النموذج بدأ يواجه تحديات جمة مع تزايد تعقيد المخاطر مثل تغير المناخ والتهديدات السيبرانية والأوبئة والاقتصادات غير المستقرة وكلها مخاطر تتجاوز قدرة النماذج التقليدية على التنبؤ بها.

هنا برز الذكاء الاصطناعي كأداة لا غنى عنها، فوفقاً لدراسة حديثة أجرتها «ديلويت»، ارتفعت نسبة شركات التأمين البريطانية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر من 48% في عام 2023م إلى 65% في عام 2025م، وأيضاً وفقاً لجمعية جنيف أدى تطبيق الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب إلى تحسن بنسبة 43% في دقة تقييم المخاطر وتخفيض وقت معالجة الوثائق المعقدة بنسبة 31%.

لكن الأهم من الأرقام هو التحول الفكري والانتقال من الاكتتاب القائم على ما حدث في الماضي إلى الاكتتاب القائم على ما قد يحدث في المستقبل.

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب؟

يعمل الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب عبر سلسلة من الخطوات المنطقية:

1.         جمع البيانات من مصادر متعددة: حيث لم تعد البيانات مقتصرة على الاستبيانات التي يملأها العميل. فاليوم يمكن للنماذج الذكية أن تستوعب وتستخدم بيانات من المركبات وأجهزة إنترنت الأشياء (IoT) في المنازل والمصانع وصور الأقمار الصناعية للممتلكات والسجلات الصحية الإلكترونية وحتى بيانات السلوك والتفضيلات الرقمية على مواقع التواصل الاجتماعية.

2.         تنظيف البيانات وتحليلها: يجب أن تكون البيانات قابلة للاستخدام في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي عن طريق استخدام خوارزميات التعلم الآلي وتطبيقاتها وهي برامج تتعلم من البيانات دون برمجة مباشرة لكل حالة وذلك لاكتشاف الأنماط والعلاقات التي قد يصعب على العين البشرية اكتشافها. على سبيل المثال قد تكتشف الخوارزمية علاقة غير متوقعة بين نمط القيادة الليلي وتكرار حوادث معينة.

3.         بناء نماذج ذكاء اصطناعي تنبؤية: فبدلاً من السؤال: ما احتمالية وقوع حادث لهذا العميل بناءً على فئته العمرية؟ يصبح السؤال: ما احتمالية وقوع حادث لهذا العميل تحديداً، بناءً على بيانات قيادته الفعلية وتاريخ صيانة مركبته وظروف الطريق في منطقته وعشرات المتغيرات الأخرى؟

4.         تقديم توصيات ونتائج للمكتتب: فلا يجب على النموذج أن يقرر وحده، أو على الأقل لا يجب أن يقرر وحده في الحالات المعقدة، بل يقدم تقييم مخاطر وتوصية يبني عليها المكتتب قراره النهائي.

ثورة الاكتتاب التنبؤي

في النموذج التقليدي، ينظر المكتتب إلى الخطر من خلال تاريخ الحوادث السابقة والسجلات الطبية المسجلة والمطالبات المقدمة، أما في الاكتتاب التنبؤي فيستخدم الذكاء الاصطناعي البيانات التاريخية والسلوكية والجغرافية والبيئية لاكتشاف مؤشرات مبكرة قبل أن يتحول الخطر إلى خسارة فعلية.

تخيل شركة تأمين تجاري تستخدم نماذج ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات المالية والتشغيلية للمؤسسات، وبدلاً من الانتظار حتى تقدم الشركة المؤمن عليها مطالبة بسبب حريق في مصنع، يمكن للنظام أن يرصد من خلال بيانات أجهزة استشعار الحرارة والرطوبة أن مصنعاً معيناً يتجه نحو وضع خطير، ويُبلغ شركة التأمين لاتخاذ إجراءات وقائية.

هذا هو جوهر الاكتتاب التنبؤي: الانتقال من التعامل مع الخطر بعد ظهوره إلى توقع احتمالية حدوثه مسبقاً، وكما يقول تقرير «كابجيميني» لعام 2026م: «الذكاء الاصطناعي يحول البيانات الخام إلى رؤى قابلة للتنفيذ للتسعير وتقييم المخاطر والتفاعل الشخصي.»

الذكاء الاصطناعي وتسعير المنتجات التأمينية

أحد أكثر التأثيرات الملموسة للذكاء الاصطناعي هو في مجال التسعير، فوفقاً لتقرير «ماكنزي»، يمكن للشركات الرائدة في التأمين أن تحقق تحسناً بنسبة 3 إلى 5 نقاط في نسب الخسارة وزيادة بنسبة 10% إلى 15% في أقساط الأعمال الجديدة وارتفاعاً بنسبة 5% إلى 10% في الاحتفاظ بالعملاء في الشرائح المربحة، وذلك بفضل الاكتتاب الرقمي.

هذا التحول يعني الانتقال من التسعير العام حيث يدفع جميع العملاء في فئة واحدة السعر نفسه، إلى التسعير الديناميكي والسلوكي، ففي تأمين المركبات على سبيل المثال، يمكن لأجهزة التليماتيكس أن ترصد سلوك القيادة الفعلي: السرعة والفرملة المفاجئة وأوقات القيادة لتعديل القسط شهرياً بناءً على السلوك الفعلي وليس على الإحصائيات العامة.

هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي المكتتب؟

هذا السؤال يتردد في كل مؤتمر تأميني، والإجابة القصيرة: لا، لكن الإجابة الأكثر دقة: سيتغير دور المكتتب جذرياً، فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد في:

•           تحليل كميات ضخمة من البيانات في ثوانٍ.

•           اكتشاف الأنماط الخفية.

•           معالجة المهام المتكررة والروتينية.

•           تصنيف المخاطر وفقاً لمعايير موحدة.

•           تقديم توصيات مبنية على تحليلات متعددة المتغيرات.

لكن يظل دور الإنسان محورياً في:

•           الحالات الاستثنائية والمعقدة: حيث يتطلب الأمر فهماً للسياق التجاري والبيئي والمجتمعي.

•           الحكم المهني: في الحالات التي لا تخضع لقواعد صارمة.

•           فهم الأسواق التجارية: مثل تقييم مخاطر مشروع استثماري جديد لا توجد له سابقة تاريخية.

•           اتخاذ القرارات التي تتطلب مسؤولية بشرية: خاصة في القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الأفراد.

النموذج المستقبلي لا يكون فيه الإنسان في مواجهة الآلة، بل ستكون فيه الآلة إلى جانب الإنسان كفريق عمل، المكتتب المستقبلي لن يكون مجرد قارئ ملفات وبيانات بل محلل قرارات يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز حكمه المهني.

تطبيقات عملية في أنواع التأمين المختلفة

1.         التأمين الطبي: تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي لتحليل السجلات الطبية الإلكترونية والتاريخ الصحي للمريض لتقييم المخاطر بدقة أعلى. منصة أليثيا من «ميونيخ ري» هي مثال بارز فهي تستوعب بيانات صحية معقدة وتتخذ قرارات ملزمة في أقل من 48 ساعة.

2.         تأمين المركبات: تعتمد نماذج التسعير على بيانات التليماتيكس التي ترصد سلوك القيادة الفعلي. وقد أدى دمج هذه التقنيات إلى تقليص الحوادث في الأساطيل التجارية بنسبة 18% منذ بداية عام 2026م، وفقاً لبيانات صناعة التأمين.

3.         تأمين الممتلكات: تستخدم شركات التأمين صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي البصري لتقييم حالة المباني واكتشاف التغييرات فيها. تقول «سويس ري» إن هذه التقنيات تُسرّع تقييم الأضرار بعد الكوارث الطبيعية من شهور إلى أيام.

البيانات: الوقود الحقيقي للاكتتاب الذكي

لا يمكن بناء اكتتاب ذكي دون بيانات جيدة. هذه القاعدة تبدو بديهية لكنها تمثل العقبة الأكبر أمام شركات التأمين التقليدية. فكثير من هذه الشركات تعاني من:

•           البيانات الناقصة أو المكررة: بسبب الأنظمة القديمة التي تعمل بمعزل عن بعضها.

•           البيانات غير المنظمة: مثل التقارير المكتوبة بصيغ PDF والملاحظات اليدوية.

•           صعوبة تكامل الأنظمة: حيث تعمل أنظمة الاكتتاب والمطالبات والعملاء بشكل منفصل.

وفقاً لتقرير «هكساوير» تُعد الأنظمة القديمة عائقاً رئيسياً أمام تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي لأنها تفتقر إلى القدرة على التحليلات الحديثة وتعاني من مشاكل في جودة البيانات.

وهنا تبرز أهمية حوكمة البيانات: سياسات واضحة لجمع البيانات وتنظيفها وربطها بين الأنظمة المختلفة وضمان دقتها وحداثتها. وبدون هذه الحوكمة يظل الذكاء الاصطناعي أداة ضعيفة مهما كانت خوارزمياتها متقدمة.

التحديات والمخاطر

لا يخلو أي تحول تقني من مخاطر، والذكاء الاصطناعي في التأمين ليس استثناءً. وأبرز هذه التحديات:

1.         التحيز الخوارزمي: إذا تدرب النموذج على بيانات تميز فئة معينة (مثلاً: مناطق سكنية معينة أو فئات عمرية) فقد ينتج تسعيراً تمييزياً، وهذا يعيدنا إلى أهمية التدقيق المستمر للنماذج.

2.         جودة البيانات: البيانات الرديئة أو غير المترابطة تنتج قرارات رديئة.

3.         الخصوصية وحماية البيانات: مع تزايد مصادر البيانات تتعاظم مخاوف العملاء من انتهاك خصوصيتهم. وهنا تبرز أهمية الامتثال للوائح مثل GDPR في أوروبا.

4.         الاعتماد المفرط على الخوارزميات: وهذا قد يؤدي إلى إهمال الحكم المهني البشري في الحالات الاستثنائية.

الحوكمة والشفافية: من المسؤول عن القرار؟

مع تزايد اعتماد شركات التأمين على الذكاء الاصطناعي، برزت أسئلة جوهرية: من المسؤول إذا اتخذ النظام قراراً خاطئاً؟ وكيف نضمن أن القرارات مفهومة وقابلة للمراجعة؟

في ديسمبر 2023م، أصدرت الرابطة الوطنية لمفوضي التأمين الأمريكية نشرة نموذجية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في التأمين، تطالب الشركات بوضع سياسة مكتوبة للذكاء الاصطناعي تغطي الحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة على الجهات الخارجية، والتوثيق

وفي أوروبا، صُنّفت أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تقييم المخاطر وتسعير التأمين على الحياة والصحة ضمن الفئة عالية الخطورة بموجب قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي الذي دخل حيز التنفيذ في أغسطس 2024م، وهذا يعني أن هذه الأنظمة ملزمة بإجراءات تقييم المطابقة والتوثيق الفني والإشراف البشري.

ويبرز هنا مفهوم الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير: أي أن يكون بمقدور الشركة والعميل فهم كيف وصل النظام إلى قراره. وهذا ليس مجرد مطلب قانوني، بل ضرورة أخلاقية ومهنية.

مستقبل الاكتتاب التأميني

مع تسارع تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي يُطرح السؤال التالي: هل سيظل الاكتتاب الذكي ميزة تنافسية يتفرد بها البعض، أم سيصبح معياراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه؟

المؤشرات تشير إلى أنه سيكون معياراً أساسياً. حيث تخطط 86% من مؤسسات التأمين لزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي في عام 2026م، ويمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي أن يولدوا ما يصل إلى 450 مليار دولار من القيمة الاقتصادية بحلول عام 2028م.

مستقبل المكتتب سيتغير بشكل جذري، والمهارات المطلوبة لن تقتصر على فهم الجداول الإحصائية، بل ستشمل:

•           فهم نماذج الذكاء الاصطناعي وحدودها.

•           القدرة على التعامل مع البيانات الضخمة.

•           الحكم المهني في الحالات الاستثنائية.

•           التواصل مع العملاء وشرح القرارات المعقدة.

وستتحول وظيفة المكتتب من معالجة المعلومات إلى تحليلها واتخاذ القرار الاستراتيجي، وستصبح شركات التأمين التي لا تستثمر في هذه التحولات عرضة للخسارة التنافسية.

هل شركات التأمين العربية مستعدون للاكتتاب الذكي؟

إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صناعة التأمين عالمياً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في المنطقة العربية هو: هل تمتلك شركات التأمين العربية المقومات اللازمة للانتقال من الاكتتاب التقليدي إلى الاكتتاب الذكي؟

الإجابة ليست واحدة لجميع الشركات والأسواق، فواقع قطاع التأمين العربي يتسم بتفاوت كبير بين شركات تمتلك بنية رقمية متقدمة واستثمارات واضحة في التحول الرقمي، وأخرى لا تزال تعتمد على أنظمة قديمة وعمليات يدوية وبيانات موزعة بين أقسام وأنظمة متعددة، لكن هذا التفاوت لا يعني أن الذكاء الاصطناعي بعيد عن شركات التأمين العربية، بل على العكس قد يمثل فرصة حقيقية لتجاوز بعض القيود التاريخية التي يعاني منها القطاع.

فالاكتتاب الذكي لا يتطلب بالضرورة أن تبدأ الشركة ببناء نموذج ذكاء اصطناعي معقد ينافس أكبر شركات التأمين العالمية، يمكن أن تبدأ الرحلة بخطوات أكثر واقعية، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في قراءة الوثائق واستخراج البيانات من طلبات التأمين وتصنيف المخاطر ومساعدة المكتتب في تحليل الملفات المعقدة.

وبينما تمتلك شركات التأمين العربية رصيداً كبيراً من البيانات المتراكمة عبر سنوات طويلة مثل الوثائق والمطالبات وتقارير الحوادث وتقارير طبية وتقييمات للمخاطر وسجلات للعملاء، لكن المشكلة ليست دائماً في غياب البيانات، بل في كونها موزعة بين أنظمة مختلفة أو محفوظة في ملفات غير منظمة أو غير مكتملة بما يكفي لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي فعالة.

وهنا تصبح الأولوية ليست شراء منصة ذكاء اصطناعي جديدة، بل بناء استراتيجية بيانات تبدأ بتوحيد مصادر المعلومات وتحسين جودتها وربط أنظمة الاكتتاب والمطالبات وخدمة العملاء والأنظمة المالية.

فشركة التأمين التي لا تستطيع الوصول إلى صورة متكاملة عن العميل والمخاطر التي يمثلها، ستجد صعوبة في بناء اكتتاب ذكي مهما كانت قوة التقنية التي تستخدمها، وهذا يتسق مع الفكرة الأساسية التي تناولها المقال: البيانات هي الوقود الحقيقي للاكتتاب الذكي.

كما أن بعض شركات التأمين العربية لاتزال تعمل على أنظمة تم تطويرها منذ سنوات طويلة، وقد تكون هذه الأنظمة فعالة في إدارة العمليات اليومية، لكنها لم تُصمم في الأصل للتكامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي أو تحليل البيانات في الوقت الفعلي.

ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين في الوطن العربي يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الشركات على تحديث بنيتها التقنية، وليس بالضرورة عبر استبدال جميع أنظمتها دفعة واحدة، بل من خلال بناء طبقات تكامل تسمح بتبادل البيانات بين الأنظمة القديمة والحديثة.

وأحد أهم التحديات التي قد تواجه شركات التأمين العربية هو الاعتماد الكامل على نماذج ذكاء اصطناعي تم تطويرها باستخدام بيانات وأسواق تختلف جذرياً عن طبيعة الأسواق العربية.

فأنماط المخاطر في المنطقة تتأثر بعوامل اقتصادية وجغرافية واجتماعية وتشريعية مختلفة، لذلك فإن القيمة الحقيقية لن تتحقق بمجرد استيراد نموذج جاهز، بل من خلال استخدام نماذج تتعلم من البيانات المحلية وتفهم خصوصية السوق العربي.

وهذا يفتح الباب أمام شركات التأمين العربية للتعاون مع شركات التقنية بهدف بناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر ارتباطاً بالواقع المحلي، سواء في تأمين المركبات أو التأمين الطبي أو الممتلكات أو النقل البحري.

وقد يثير التحول نحو الاكتتاب الذكي مخاوف لدى شركات التأمين الصغيرة والمتوسطة، التي قد تعتقد أن الذكاء الاصطناعي أصبح حكراً على الشركات الكبرى ذات الميزانيات الضخمة، لكن تطور الحوسبة السحابية والمنصات الجاهزة والنماذج الذكية المتاحة كخدمات يجعل الدخول إلى هذا المجال أكثر سهولة من السابق.

فليس مطلوباً من كل شركة أن تبني مختبراً خاصاً للذكاء الاصطناعي. بل يمكنها أن تبدأ باستخدام حلول متخصصة في مهام محددة مثل تحليل المستندات أو اكتشاف الاحتيال أو دعم قرارات الاكتتاب، ثم تتوسع تدريجياً وفقاً للعائد الذي تحققه.

وقد يكون النموذج الأكثر واقعية في المستقبل هو ظهور منصات وخدمات ذكاء اصطناعي مشتركة تخدم عدداً من شركات التأمين، مع الحفاظ على خصوصية بيانات كل شركة، وهو ما قد يسمح حتى للشركات الأصغر بالاستفادة من التقنيات المتقدمة دون تحمل تكاليف بناء البنية التقنية بالكامل.

وسيظهر أيضاً التحدي الحقيقي الذي لن يكون تقنياً فقط بل بشرياً أيضاً، فنجاح الاكتتاب الذكي يتطلب ظهور جيل جديد من المتخصصين يجمع بين فهم التأمين والمخاطر والبيانات والتكنولوجيا.

المكتتب في المستقبل لن يحتاج بالضرورة إلى أن يكون مبرمجاً أو خبيراً في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنه سيحتاج إلى فهم كيفية عمل هذه النماذج وما هي حدودها ومتى يمكن الاعتماد على توصياتها ومتى يجب التدخل بالحكم المهني البشري.

وهذا يتكامل مع التحول الذي يناقشه المقال من دور المكتتب باعتباره قارئاً للملفات والبيانات إلى محلل للقرارات يعمل إلى جانب الأنظمة الذكية، خاصة في الحالات المعقدة والاستثنائية التي تتطلب فهماً للسياق والمسؤولية المهنية.

ربما تكون النظرة التقليدية أن شركات التأمين العربية متأخرة عن الأسواق العالمية في تبني الذكاء الاصطناعي، لكن المرحلة الحالية قد تمثل فرصة مختلفة، فالذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة السحابية والنماذج الجاهزة خفضت الحواجز التي كانت تجعل التقنيات المتقدمة حكراً على المؤسسات العملاقة.

وهذا يعني أن شركات التأمين العربية ليست مضطرة إلى المرور بجميع المراحل التقنية التي مرت بها الشركات العالمية خلال العقود الماضية، بل يمكنها الاستفادة مباشرة من التقنيات الحديثة وبناء أنظمة أكثر مرونة منذ البداية.

لكن النجاح لن يتحقق بشراء نظام ذكي فقط، فالتحول الحقيقي يتطلب رؤية واضحة تبدأ من جودة البيانات مروراً بتحديث الأنظمة وتأهيل الكوادر وبناء حوكمة واضحة، وتنتهي بإعادة تصميم عملية الاكتتاب نفسها.

إن مستقبل شركات التأمين العربية في عصر الاكتتاب الذكي لن يتحدد فقط بحجم استثماراتها في التكنولوجيا، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: هل نحن مستعدون لتغيير طريقة اتخاذ القرار؟

فالذكاء الاصطناعي قد يكون متاحاً للجميع، لكن القدرة على تحويله إلى قرارات أفضل ومخاطر أكثر دقة ومنتجات أكثر ملاءمة للعملاء ستكون هي الفارق الحقيقي بين شركات تستخدم الذكاء الاصطناعي كشعار تقني، وشركات تجعله جزءاً فعلياً من نموذج أعمالها ومستقبلها.

 

خاتمة

وبهذا، يتضح أن مستقبل الاكتتاب التأميني لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة بل شراكة تجمع بين خبرة المكتتب وقدرته على الحكم المهني، وبين قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر بسرعة ودقة أكبر.

لكن نجاح هذا التحول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يبدأ من بيانات موثوقة، وأنظمة مترابطة، وكوادر مؤهلة، وحوكمة تضمن الشفافية والمسؤولية.

وبالنسبة لشركات التأمين العربية، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لتطوير الاكتتاب وإدارة المخاطر، وليس مجرد سباق للحاق بالتجارب العالمية، فالنجاح لن يتحدد بحجم الاستثمار في التقنية، بل بقدرة الشركات على تحويلها إلى قرارات أكثر دقة، وتسعير أكثر عدالة، وخدمات أسرع وأكثر كفاءة.

وفي النهاية، لم يعد السؤال: هل سيغير الذكاء الاصطناعي صناعة التأمين؟، فقد بدأ التغيير بالفعل. وإنما السؤال الأهم هو: هل شركات التأمين العربية مستعدة لبناء مستقبل تستطيع فيه فهم مخاطر الغد قبل أن تتحول إلى خسائر اليوم؟

 

م. محمد عبدالجليل يوسف

استشاري تقنية معلومات وذكاء اصطناعي

مختص برمجة أنظمة في شركة مأرب للتأمين

 

أخبار تهمك:
أخبار الشركات والأعمال
https://economics360.net/category.php?id=3

أخبار الجامعات والمدارس

https://economics360.net/category.php?id=10

أخبار اليمن

https://economics360.net/category.php?id=1&sub=28