تدخل الجزائر مرحلة جديدة في سياسة دعم القدرة الشرائية، مع توجيه الرئيس عبد المجيد تبون بإدراج الزيادات الجديدة في الأجور ضمن مشروع قانون المالية لعام 2027، تنفيذاً لتعهداته بشأن تحسين دخول المواطنين وتعزيز قدرتهم على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتفتح الخطوة الباب أمام اختبار جديد لقدرة المالية العامة على استيعاب كلفة الزيادات، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى الموازنة بين دعم مداخيل الأسر والحفاظ على الاستدامة المالية للدولة، بما يجعل تمويل هذه الزيادات أحد أبرز الملفات الاقتصادية في المرحلة المقبلة.
ويطرح الانتقال من القرار السياسي إلى التنفيذ المالي سؤالاً أساسياً حول مصادر تمويل هذه الزيادات، ومدى قدرة الخزينة العمومية على تحمل ارتفاع كتلة الأجور من دون التأثير في التوازنات المالية والنقدية أو التسبب في موجة تضخمية تلتهم جزءاً من الزيادة المنتظرة.
طباعة النقود مستبعدة
بينما تعكف وزارة المالية على إعداد مشروع قانون المالية (موازنة 2027)، بما في ذلك الاعتمادات الخاصة بالزيادات الجديدة، تؤكد المعطيات المتوفرة أنّ خيار العودة إلى التمويل غير التقليدي، أو ما يعرف شعبياً بـ"طباعة النقود"، ليس مطروحاً لتمويل هذه الزيادات.
وذكرت مصادر من داخل وزارة المالية الجزائرية، رفضت ذكر اسمها، أن هذا الخيار غير مطروح، مستندة إلى التجربة السابقة التي عاشها الاقتصاد الجزائري، خلال فترة رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، والتي جعلت السلطات النقدية أكثر حذراً في اللجوء إلى خلق النقود لتمويل النفقات العمومية، بالنظر إلى مخاطر توسع السيولة وارتفاع الضغوط التضخمية في حال عدم مواكبتها بزيادة مماثلة في الإنتاج.
وأشارت المصادر لـ"العربي الجديد" إلى أنّ بنك الجزائر المركزي قد حذر في تقييماته من تداعيات التمويل النقدي لعجز الخزينة، فيما تظهر بياناته أن معدل التضخم بلغ في المتوسط 5.59% سنة 2017 و4.27% سنة 2018، قبل أن يتراجع إلى 1.95% سنة 2019، بالتزامن مع وقف التمويل غير التقليدي، وهو سيناريو الذي لا تحبّذ الحكومة الجزائرية تكراره.
وتكشف هذه التجربة أن رفع الأجور عبر ضخ أموال جديدة في الاقتصاد من دون زيادة مقابلة في الإنتاج قد يحول جزءاً من الزيادة إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، بما يحد من أثرها الحقيقي على القدرة الشرائية، بل وقد يضغط على قيمة العملة الوطنية.
في المقابل، يتجه الرهان إلى تعبئة الموارد المالية المتاحة للدولة وتغطية النفقات الجديدة ضمن التوازنات العامة للميزانية، وتشمل هذه الموارد الإيرادات الجبائية والجباية البترولية ومداخيل الدولة المختلفة، إضافة إلى الموارد المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والاستثمار، وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الزيادة في الأجور ليست نفقة ظرفية، وإنما التزام مالي مستمر يرفع كتلة الأجور لسنوات مقبلة. ولذلك، فإن نجاحها لا يُقاس فقط بقدرة الخزينة على تمويلها في 2027، وإنما بمدى قدرتها على تحمل آثارها المالية مستقبلاً.
هامش المناورة
تعول الحكومة الجزائرية على هامش المناورة في فوائض سعر المحروقات وإيرادات صادرات النفط، بحسب المصادر ذاتها، في تمويلها للزيادات الجديدة في الأجور على تعبئة الموارد الفعلية والمتاحة للخزينة، وتحسين الإيرادات، والتحكم في النفقات، والاستفادة من أي فوائض قد تنشأ نتيجة تحسن مداخيل المحروقات مقارنة بالفرضيات التي بنيت عليها الميزانية، ولا سيما أن بناء موازنة 2026 كان على أساس سعر مرجعي بقيمة ستين دولاراً، ليفوق في البورصة النفطية عتبة تسعين دولاراً في فترات طويلة من السنة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر في ظل توجه وزارة المالية إلى اعتماد تسيير أكثر صرامة للإنفاق العمومي، وربط الاعتمادات المالية بالأداء والنتائج، إلى جانب إعطاء الأولوية لتنويع مصادر الإيرادات ودعم القطاعات ذات القيمة المضافة خارج المحروقات. وهي توجهات أعلنتها الوزارة في إطار التحضير لمشروع قانون المالية لسنة 2027.
وتشير المصادر إلى أنّ ارتفاع أسعار النفط يوفر للخزينة هامشاً إضافياً من الموارد، غير أن هذا الهامش لا ينبغي التعامل معه باعتباره مورداً ثابتاً يمكن بناء نفقات دائمة عليه، بالنظر إلى الطبيعة المتقلبة لأسواق النفط، بينما تكمن أهمية هذا الفارق في أن الإيرادات البترولية الفعلية تتأثر بمستوى الأسعار وحجم الإنتاج والكميات الموجهة للتصدير، فضلاً عن تطور السوق العالمية.
وعليه، فإن تمويل زيادات الأجور لا يرتبط بمصدر واحد، ولا يقوم على رصيد جاهز في صندوق ضبط الإيرادات، وإنما يستند إلى منظومة متكاملة تشمل موارد الخزينة، وتحسن الإيرادات النفطية عند ارتفاع الأسعار، وترشيد الإنفاق، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وتنمية الصادرات خارج المحروقات، مع الإبقاء على التمويل النقدي خارج خيارات الدولة، تفادياً لتكرار آثار التوسع النقدي غير المدعوم بزيادة مقابلة في الإنتاج.
اختبار للصلابة المالية
يرى الباحث في إدارة الأعمال والتخطيط الاستراتيجي، أكرم عماري، أنّ تمويل زيادات الأجور المقررة يتجاوز مجرد بحث عن مورد ظرفي يسمح للخزينة بدفع الزيادة لسنة واحدة، بل اختبار لقدرة الاقتصاد الجزائري على تحويل النمو إلى موارد عامة دائمة.
فمن الناحية المحاسبية، يقول عماري في تحليله لـ"العربي الجديد" إنّ الزيادة ستموَّل من الوعاء العام للميزانية، الذي يجمع الإيرادات الجبائية خارج المحروقات والجباية البترولية ومداخيل الدولة المختلفة، وقد تدعمه وفورات ناتجة عن إعادة ترتيب النفقات وتحسين كفاءتها، غير أنّ الاستدامة تفرض قاعدة أكثر صرامة وهي النفقة الدائمة، مثل الأجور، يجب أن يقابلها أساساً مورد هيكلي دائم، لا إيراد نفطي استثنائي ولا اقتراض متكرر ولا توسع نقدي، ومن ثم فإن المصدر الحقيقي الآمن للتمويل على المدى المتوسط والبعيد هو توسيع القاعدة الاقتصادية والجبائية عبر نمو القطاعات المنتجة خارج المحروقات، إدماج جزء أكبر من الاقتصاد غير الرسمي، رقمنة التحصيل، ورفع مردودية الاستثمار العمومي وتحويله إلى قيمة مضافة وأرباح وإيرادات ضريبية.
وأشار المتحدث إلى الإبقاء على عائدات المحروقات كوسادة مالية لامتصاص الصدمات لا كقاعدة لتمويل كتلة أجور متزايدة، أما تمويل الزيادة بصورة متكررة عن طريق العجز أو التمويل النقدي فقد يحل مشكلة السيولة مؤقتاً، لكنه ينقل التكلفة إلى التضخم والدين ويضعف أثر الزيادة نفسها على القدرة الشرائية، لذلك فالقضية ليست في قدرة الجزائر على دفع الزيادة في 2027، بل في قدرتها على بناء قاعدة إنتاج وإيرادات تسمح بالحفاظ عليها في 2028 و2030 وما بعدهما دون الإخلال بالتوازن المالي، وهنا تتحول زيادة الأجور من إجراء اجتماعي ظرفي إلى جزء من استراتيجية اقتصادية تربط الدخل بالإنتاجية والقيمة المضافة والاستدامة المالية.
وقال إن التحكم في أثر زيادات الأجور على التوازن المالي يفرض التعامل معها كالتزام متعدد السنوات، لا كنفقات إضافية تدار سنة وسنة، وبالتالي فإنّ الأداة الأكثر فعالية هي إدراج كتلة الأجور ضمن قاعدة مالية متوسطة الأجل تحدد مسبقاً المسار المقبول لنموها وفق تطور الإيرادات الهيكلية، والنمو الحقيقي، والتضخم، والعجز والدين، مع ربط تنفيذ أي شطر إضافي من الزيادة بتحقق مؤشرات مالية واقتصادية واضحة، بدل ربطه بوفرة ظرفية في السيولة أو بارتفاع مؤقت في أسعار المحروقات.
أخبار تهمك:
أخبار الشركات والأعمال
https://economics360.net/category.php?id=3
أخبار الجامعات والمدارس
https://economics360.net/category.php?id=10
أخبار اليمن
https://economics360.net/category.php?id=1&sub=28
اخبار العملات والمعادن
https://economics360.net/category.php?id=4
رياضة ومقالات
https://economics360.net/category.php?id=7