2026/07/28
الذهب: $4,042.85 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1363 (LIVE)
الأخبار
اقتصاد الضوء .. الطاقة الشمسية بين الاستخلاف وبناء النموذج الحضاري.. من رؤية استهلاكية إلى مشروع تنموي شامل
مشاهد وأحداث

اقتصاد الضوء .. الطاقة الشمسية بين الاستخلاف وبناء النموذج الحضاري.. من رؤية استهلاكية إلى مشروع تنموي شامل

26 Jul, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

حين يُطرح الحديث عن الطاقة الشمسية .. ينصرف الذهن غالباً إلى الألواح والبطاريات والتقنيات الحديثة، غير أن القضية أعمق من كونها مجرد بديل تقني لإنتاج الكهرباء .. فالمسألة في جوهرها ترتبط بتحول أوسع في فهم الإنسان لعلاقته بالموارد والطبيعة والاقتصاد.

السؤال الحقيقي ليس كيف ننتج الطاقة؟

بل .. ضمن أي فلسفة حضارية ننتجها ونستهلكها؟

هل ننظر إلى الطاقة باعتبارها سلعة تخضع فقط لمنطق السوق والربح؟ أم باعتبارها مورداً سخره الله للإنسان ليقوم بوظيفته الكبرى في عمارة الأرض؟

هذا السؤال يزداد أهمية في عالم يشهد تحولاً بنيوياً قد يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وموازين القوة فيه.

 

من الاستهلاك إلى الاستخلاف

في الرؤية الإسلامية .. الإنسان ليس مجرد مستهلك للموارد .. بل مستخلف فيها، يقول الله تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ هذه الآية تؤسس لفهم اقتصادي مختلف .. فالأصل ليس الاستنزاف، بل الإعمار، وليس الاستهلاك المجرد، بل الإدارة الرشيدة للموارد.

من هذا المنطلق .. تمثل الطاقة الشمسية نموذجاً فريداً لتسخير النعم الإلهية لصالح الإنسان .. فهي مورد متجدد لا يمكن أن يُحتكر.. ولا يخضع للسيطرة الجيوسياسية التقليدية كما هو حال النفط والغاز، بل يتميز بعدالة نسبية في التوزيع، خاصة في المناطق ذات الإشعاع الشمسي المرتفع، ومنها المنطقة العربية .. وهنا يبرز سؤال جوهري:

هل نحن أمام تحول طاقوي فحسب؟ .. أم أمام انتقال حضاري من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة النسبية؟

 

من اقتصاد الوقود إلى اقتصاد الضوء

الحضارة الصناعية الحديثة بُنيت على الوقود الأحفوري .. ولا يمكن إنكار دوره في دفع عجلة التنمية، لكن لا يمكن كذلك تجاهل كلفته الاقتصادية والبيئية والسياسية .. لقد أدى الاعتماد المفرط على النفط والغاز إلى:

• اختلالات بيئية متزايدة

• تمركز الثروة عالمياً

• صراعات جيوسياسية معقدة

• تبعية اقتصادية للدول المستوردة للطاقة

تشير تقارير  إلى أن الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة بلغ نحو 1.7 تريليون دولار في عام 2023 مقابل ما يزيد قليلًا عن 1 تريليون دولار للوقود الأحفوري .. وارتفع في عام 2024 إلى قرابة 2 تريليون دولار، بما يعني أن العالم بات يخصص نحو دولارين للطاقة النظيفة مقابل كل دولار للوقود الأحفوري.

وفي المقابل .. لا تزال كلفة الوقود الأحفوري مرتفعة بيئياً؛ إذ بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة عالمياً نحو 37.4 مليار طن في 2023، وهو أعلى مستوى مسجل تاريخياً.

أما اقتصادياً .. فتشير بيانات  إلى أن العديد من الاقتصادات النامية تعتمد بصورة كبيرة على استيراد الطاقة، ما يجعلها أكثر تعرضاً لصدمات الأسعار العالمية واختلالات ميزان المدفوعات .. في الاقتصاد التقليدي، ارتبطت القوة بمن يملك الموارد الناضبة .. أما في الاقتصاد القادم .. فقد ترتبط القوة بمن يحسن تحويل الضوء إلى قيمة اقتصادية.

وهنا تتجلى فكرة اقتصاد الضوء .. اقتصاد لا تُقاس فيه القوة فقط بحجم الاحتياطي النفطي، بل بمدى القدرة على تحويل الموارد المتجددة إلى إنتاج وقيمة واستقلال اقتصادي.

 

الطاقة الشمسية ومقاصد الشريعة

عند النظر إلى الطاقة النظيفة من زاوية مقاصد الشريعة، يظهر انسجام واضح بينهما  نوضحها بالنقاط التالية:-

1. حفظ المال .. تخفض الطاقة الشمسية تكاليف الطاقة على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول، مما يرفع كفاءة الإنفاق ويحرر موارد لقطاعات أكثر إنتاجية.

2. حفظ النفس .. تقليل التلوث يعني تحسين جودة الهواء وتقليل الأمراض المرتبطة بالانبعاثات.

3. حفظ العمران والبيئة .. استدامة البيئة شرط أساسي لاستمرار العمران البشري.

كما نهت الشريعة عن الإسراف قال الله تعالى في محكم كتابه .. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ .. والإسراف لا يقتصر على الطعام والشراب، بل يشمل سوء استخدام الموارد والطاقة .. ومن اللافت وجود تقارب متزايد بين مبادئ التمويل المستدام الحديثة ومقاصد الشريعة .. فكلاهما يسعى إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية ضمن إطار مسؤولية اجتماعية وبيئية.

 

اليمن .. من أزمة الطاقة إلى فرصة اقتصادية

تمثل اليمن حالة دراسية فريدة .. في ظل الانقطاعات المزمنة للكهرباء، لم ينتظر المجتمع حلولاً مركزية مكتملة، بل طور حلولاً لامركزية قادها الأفراد والسوق المحلي .. خلال السنوات الماضية، تحولت الطاقة الشمسية في اليمن من رفاهية إلى ضرورة ..وأصبحت أسطح المنازل والمحلات والمزارع والمراكز الصحية تعتمد عليها بشكل متزايد، في مشهد يعكس قدرة المجتمع اليمني وهنا يمكن تلخيصها بالاتي:

- التكيف

- إعادة ترتيب الأولويات

- بناء بدائل عملية تحت الضغط

وقد أدى ذلك إلى تسارع الاعتماد المجتمعي على الطاقة الشمسية بصورة لافتة، حتى أصبحت في كثير من المناطق مصدر الطاقة الأساسي للأسر والمنشآت الصغيرة .. ويعكس ذلك قدرة السوق المحلية على تطوير حلول لامركزية فعالة عندما تتراجع كفاءة البنية المركزية .. لكن رغم هذا النمو لكن لاتزال هناك عدة تحديات .. أبرزها:

- غياب إطار تنظيمي متكامل

- انتشار منتجات منخفضة الجودة

- ضعف خدمات الصيانة

- تقلبات سعر الصرف

وهذه التحديات تجعل تطوير البيئة التنظيمية ضرورة لا خياراً.

المصارف الإسلامية ودورها في اقتصاد المستقبل

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم .. هل ستظل المصارف الإسلامية مجرد ممول تقليدي، أم ستتحول إلى شريك في بناء الاقتصاد المستقبلي؟

تمتلك المصارف الإسلامية أدوات تمويلية قادرة على دعم انتشار الطاقة الشمسية بكفاءة ونذكر منها:

1. المرابحة .. تُعد المرابحة الأكثر انتشاراً في تمويل الطاقة الشمسية؛ حيث يشتري البنك المعدات بطلب من العميل ويبيعها له بالتقسيط مع هامش ربح .. وتُظهر التجربة الميدانية نجاحها في المشاريع الكبيرة (كالمصانع والمستشفيات) بشكل أفضل من المشاريع السكنية، نظراً للمخاطر التشغيلية والإدارية في العمليات الصغيرة.

2. الإجارة المنتهية بالتمليك .. تمنح العميل حق الانتفاع بالمعدات الشمسية بأجر شهري وتنتهي بالتمليك .. وتتميز عن المرابحة ببقاء الملكية للبنك حتى السداد التام، مما يوفر ضماناً إضافياً يقلل مخاطر الائتمان.

3. المشاركة المتناقصة .. تُعد المشاركة المتناقصة الأقرب لجوهر الصيرفة الإسلامية .. حيث يشارك البنك العميل في ملكية المشروع ويتنازل عن حصته تدريجياً .. وتناسب المشاريع التجارية الكبيرة (كالمصانع والمجمعات) لتحمل البنك جزءاً من المخاطر التشغيلية مقابل حصة من الأرباح.

4. التمويل الصغير والأصغر .. أثبت فعالية كبيرة في تمويل الأنظمة الصغيرة .. خصوصاً في البيئات منخفضة الدخل، حيث أظهرت تجارب التمويل الأصغر في عدة أسواق ناشئة معدلات سداد مرتفعة نتيجة الوفر النقدي المباشر الذي تولده الطاقة الشمسية للمستفيدين.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير التمويل، بل في بناء منظومة مؤسسية متكاملة تشمل:-

• صناديق ضمان متخصصة

• معايير جودة فنية ملزمة

• حوافز تنظيمية وضريبية

• شراكات بين البنوك وشركات الطاقة الشمسية

المصارف الإسلامية اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها .. ليس فقط كمؤسسة ربحية، بل كأدوات كفاعلة تنموية تربط التمويل بالأثر الحضاري.

ختاماً .. نحو نموذج اقتصادي أكثر اتزاناً

في النهاية، السؤال الأكبر ليس عن الطاقة فقط، بل عن الحضارة .. أي نموذج اقتصادي نريد؟

هل نريد اقتصاداً قائماً على الاستنزاف والمنافسة على الموارد الناضبة؟ .. أم اقتصاداً أكثر انسجاماً مع الطبيعة والإنسان والقيم؟ .. التكنولوجيا وحدها لا تبني حضارة .. الحضارة تُبنى عندما تُدار التقنية ضمن منظومة قيم واضحة.

وهنا تتجلى خصوصية الرؤية الإسلامية؛ فهي لا تفصل بين الاقتصاد والأخلاق، ولا بين التنمية والمسؤولية.

لذا هنا أحب أن أقول .. اقتصاد الضوء ليس استثماراً في الألواح الشمسية فحسب .. بل استثمار في تصور جديد للعالم؛ تصور يجعل الإنسان مستخلفًا لا مستنزفًا، ويجعل التنمية عمرانًا لا استهلاكاً .. وربما العالم يتجه فعلاً نحو مرحلة تقل فيها مركزية الوقود الأحفوري .. وتزداد فيها قيمة الموارد المتجددة .. وعندها لن يكون السؤال .. كم ننتج من الطاقة؟

بل .. أي حضارة سنبني بهذه الطاقة.

 

حمزة الشرعبي .. باحث في الاقتصاد والمالية الاسلامية .. ومتخصص في التدقيق الشرعي والرقابة المصرفية

لمتابعة صفحة منصة الاقتصاد 360 في الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/economicsye360

لمتابعة حساب منصة الاقتصاد 360 في منصة اكس (تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي:

https://x.com/economic360

لمتابعة أخبار اليمن اضغط على الرابط التالي:
https://economics360.net/category.php?id=1&sub=28
لمتابعة أخبار الشركات والأعمال اضغط على الرابط التالي:
https://economics360.net/category.php?id=3
لمتابعة أخبار الجامعات والمدارس اضغط على الرابط التالي:
https://economics360.net/category.php?id=10

لمتابعة أخبار العملات والمعادن اضغط على الرابط التالي:
https://economics360.net/category.php?id=4