الجزء الأول : وطن واحد.. عملتان.. ومعاناة مستمرة: لماذا يدفع كل يمني ثمن انقسام اقتصادي لم يختره؟
26 Jul, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
مقاربة تحليلية من جزأين تفكك المشهد المالي اليمني، وتسلط الضوء على صراع السياسات النقدية بين قطبي البنك المركزي، وتبعات هذا التنازع على القوة الشرائية والاستقرار الاقتصادي المتردي.
لماذا توجد اليوم "عملتان" في بلد واحد؟
لفهم كيف وصلت اليمن إلى واقع "بنكين مركزيين وعملتين"، يجب العودة إلى نقطة لم تكن في الأصل خلافًا حول العملة إطلاقًا، بل كانت أزمة أبسط بكثير وأكثر إيلامًا: بنك مركزي واحد، نفدت منه النقود.
فبعد سبتمبر 2014، استمر البنك المركزي اليمني بصنعاء -ولمدة عامين تقريبًا- في العمل ككيان واحد موحّد، يخدم مناطق الشمال والجنوب على حد سواء، دون أي انقسام مؤسسي. لكن احتياطي البنك من العملات الأجنبية، الذي كان قد بلغ ذروته بأكثر من 6 مليارات دولار في عام 2012 (بفضل تدخل سعودي شمل إيداع مليار دولار لدى البنك)، بدأ يتآكل بسرعة مع اندلاع الحرب وهروب الاستثمارات المحلية والأجنبية، حتى هبط إلى نحو 4.6 مليارات دولار بنهاية عام 2014 فقط.
استمر النزيف عامين إضافيين، إلى أن وصل البنك إلى نقطة الانهيار الفعلي: ففي أغسطس 2016، وبعدما نفد مخزونه من العملة المحلية والأجنبية على حد سواء، توقف البنك المركزي عن صرف الرواتب بانتظام لغالبية موظفي الدولة. تخيّل الأمر ببساطة: مؤسسة الدولة المسؤولة عن دفع رواتب الملايين، أعلنت ضمنيًا أنها "أفلست".
هنا جاء القرار الذي غيّر مسار اليمن الاقتصادي بالكامل: ففي سبتمبر 2016، أصدر التحالف قرارًا بنقل المقر الرئيسي للبنك المركزي من صنعاء إلى عدن.
لكن ما حدث عمليًا لم يكن "نقل بنك" بالمعنى الحرفي للكلمة، بل كان بداية "انشطار" مؤسسة الدولة الأهم في إدارة اقتصادها. فالبنك المركزي بصنعاء، رغم فقدانه صفة الاعتراف الدولي رسميًا، لم يُغلق أبوابه ولم تُفرغ خزائنه بالكامل: احتفظ ببنيته التحتية الأصلية، وأرشيفه الكامل من البيانات، ومعظم كوادره الفنية والإدارية المتمرسة، وبقي مسيطرًا على أكبر المراكز المالية والتجارية والسكانية في البلاد. في المقابل، حمل البنك المركزي بعدن معه الشرعية الدولية وما يترتب عليها من امتيازات: الاعتراف كممثل وحيد لليمن أمام المؤسسات المالية الدولية، وصلاحية طباعة عملة جديدة، وإمكانية الوصول إلى التمويل والمساعدات الخارجية.
والنتيجة النهائية لكل ذلك: لم يعد لليمن بنك مركزي واحد يدير سياسة نقدية موحدة، بل أصبح لديه كيانان، كل منهما يملك جزءًا من عناصر القوة (الاعتراف الدولي من جهة، والسيطرة الفعلية على الأرض والموارد البشرية من جهة أخرى) دون أن يملك أيهما القدرة الكاملة على فرض سياسة موحدة.
هذه اللحظة بالذات -لا أي لحظة أخرى لاحقة- هي الشرخ التأسيسي الحقيقي الذي بُنيت عليه كل الأزمات النقدية التالية، بما فيها انقسام العملة نفسها لاحقًا.
لماذا مُنعت عملة جديدة من الدخول إلى نصف الوطن؟
بعد انتقال البنك المركزي إلى عدن في 2016، ظهرت أمامه معضلة حقيقية: بنك مركزي يحمل اسمه وشرعيته، لكنه يكاد يكون فارغًا من النقد. فالرواتب يجب أن تُصرف، والجهاز العسكري والأمني المتنامي في ظل العدوان يحتاج تمويلًا مستمرًا، ولا احتياطي كافيًا لتغطية ذلك.
الحل الذي تم اللجوء اليه بمركزي عدن كان الخيار الأسهل تقنيًا والأخطر اقتصاديًا في آنٍ واحد: طباعة عملة جديدة. بدأ ذلك فعليًا في 2016، حين شرع البنك في طبع أوراق نقدية جديدة لتمويل الإنفاق العام بعدما نفد ما لديه من نقد لدفع رواتب موظفي الدولة، وعلى رأسهم القطاعين العسكري والأمني اللذين تضخّما بشكل كبير مع استمرار الحرب. ورافق ذلك تخفيض رسمي لقيمة الريال من 214.25 إلى 250 ريالًا للدولار، قبل أن يصل سعره في السوق غير الرسمية إلى نحو 370 ريالًا بحلول 2017، ليتخلى البنك لاحقًا عن أي محاولة لتثبيت سعر الصرف رسميًا.
هذه الطبعة الأولى من العملة الجديدة، التي حملت توقيع محافظ البنك آنذاك (القعيطي) ثم من خلفه (زمام)، وبلغت قيمتها الإجمالية مليارات الريالات موزعة على فئات 100 و200 و500 و1000 ريال، قدمت كهدف لسحب العملة القديمة التالفة من التداول، وتوفير سيولة محلية طازجة بدل الأوراق النقدية البالية المنتشرة بعد سنوات من الحرب على بلادنا.
وعلى اثر ذلك تحرك البنك المركزي بصنعاء خلال 2019 وأوائل يناير 2020، قام بأصدر حظرًا رسميًا يمنع تداول أي عملة جديدة صادرة عن البنك المركزي بعدن داخل المناطق الشمالية للبلاد.
بهذا القرار، لم تعد اليمن تملك عملة واحدة بإصدارين متفاوتي الانتشار، بل أصبحت رسميًا أمام "منطقتين نقديتين" منفصلتين تمامًا: منطقة شمالية لا تتعامل إلا بالطبعة القديمة لعملة ما قبل 2016، ومنطقة جنوبية أصبحت الطبعة الجديدة هي المتداولة الوحيدة فيها فعليًا (بعد أن طُردت العملة القديمة منها أصلًا إلى الشمال).
وقد استفاد البنك المركزي بصنعاء في فرض هذا الواقع من خلال توظيف انتشار شبكة الصرافين المنتشرة في المناطق الشمالية نحو 1122 صراف مقابل 366 صرف في المناطق الجنوبية للبلاد ، ما منحه أداة تحكم فعلية بسعر الصرف داخل المناطق الشمالية، حيث استقر سعر الدولار وقتها عند نحو 524 ريالًا وفق الطبعة القديمة.
بهذا القرار الأحادي، تحوّل ما بدأ كخلاف إداري حول مقر بنك مركزي واحد في 2016، إلى انقسام نقدي كامل ورسمي بحلول 2020: عملتان مختلفتا الشكل والتوقيع والقيمة، لكل منهما منطقة نفوذ تحظر تداول الأخرى تمامًا داخلها.
وهذا الانقسام لا يزال حتى اليوم يُصعّب مهمة أي محاولة مستقبلية لتوحيد السياسة النقدية، أو حتى مجرد التفاهم بين البنكين المركزيين على أبسط الإجراءات المشتركة.
وهذا بالضبط ما سيقودنا للجزء الأكثر اثارة للدهشة في هذه الامر برمته: كيف يمكن لعملة محظورة الطباعة الجديدة (ريال صنعاء) أن تصمد وتستقر، بينما تنهار عملة تحمل الاعتراف الدولي الكامل (ريال عدن)؟
لماذا صمد ريال صنعاء بينما ينهار ريال عدن؟ (المفارقة الكبرى)
لو طُرح هذا السؤال على أي مواطن عادي بمنطق الحياة اليومية، لبدت الإجابة "المنطقية" واضحة: العملة التي يحميها الاعتراف الدولي الكامل يجب أن تكون الأقوى، بينما عملة منطقة محاصرة دوليًا يجب أن تكون الأضعف، لكن ما حدث في اليمن جاء معاكسًا تمامًا لهذا المنطق، ولفهم السبب، يكفي تخيّل مشهد بسيط: تذاكر لعرض واحد، أُوقفت طباعتها تمامًا فبقيت كميتها ثابتة مهما زاد الطلب عليها، مقابل تذاكر لعرض آخر، تُطبع منها نسخ جديدة كل أسبوع دون حدود، أيّ التذكرتين ستحافظ على قيمتها، وأيّهما ستفقدها تدريجيًا؟ هذا بالضبط ما حدث لريالي صنعاء وعدن.
أولًا: كيف صمد ريال صنعاء؟ ندرة مفروضة، لا نجاح مقصود
بعد حظر يناير 2020، توقفت أي طباعة جديدة معتمدة لعملة "الطبعة القديمة" المتداولة في المناطق الشمالية، فبقيت الكمية المتداولة من الريال هناك محدودة وشبه ثابتة، وحين واجهت هذه المنطقة نقصًا فعليًا في المعروض النقدي، لجأ البنك المركزي بصنعاء إلى ضخ ما تبقى من مخزون العملة التالفة إلى السوق، بدل طباعة عملة جديدة وقد رافق هذه الندرة طلبٌ إضافي متزايد: فكل راغب في السفر أو التحويل إلى المناطق الشمالية للبلاد يضطر لمقايضة عملة صعبة (دولار أو ريال سعودي) بالعملة القديمة، ما رفع الطلب عليها وعزز استقرارها، بل وساهم في سحب جزء من العملة الصعبة أصلًا من الجنوب الى الشمال.
هذا التباين في الإصدارات النقدية لم يُقيّد فقط حركة العملة الصعبة بين المنطقتين، بل منح البنك المركزي بصنعاء قدرة أكبر على التحكم في سوق المال داخل المناطق الشمالية، وأضعف في المقابل فعالية أي سياسة نقدية يحاول البنك المركزي في عدن تطبيقها.
ولا يمكن إغفال عامل آخر ساهم -بشكل غير مقصود- في "انضباط" الكتلة النقدية شمالًا: العزلة المالية القسرية المفروضة على المناطق الشمالية ، فالبنك المركزي بصنعاء يحتفظ فعليًا بالسيطرة الكاملة على أكبر المراكز الاقتصادية في البلاد، لكنه في المقابل يخضع لعقوبات دولية هذه العزلة، رغم قسوتها الإنسانية والسياسية، حدّت عمليًا من قدرة الجهة المسيطرة على ضخ سيولة إضافية غير منضبطة، وهو ما ساهم -بشكل جانبي لا مقصود- في إبقاء الكتلة النقدية شمالًا أقرب إلى الثبات.
ثانيًا: لماذا انهار ريال عدن؟ التمويل بالعجز في اقتصاد فقد مصدر دخله
في المقابل، واجه البنك المركزي بعدن معضلة معاكسة تمامًا: شرعية دولية كاملة، لكن بلا موارد كافية لدعمها، فمنذ 2016 استمر البنك في طباعة كميات من العملة لتمويل النفقات العامة وصرف الرواتب، خصوصًا مع تضخم حجم القطاعين العسكري والأمني في ظل الحرب ومع الوقت، بلغ العجز في ميزان المدفوعات وأدى إلى نقص حاد في العملة الأجنبية، حتى وصلت فجوة النقد الأجنبي إلى نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2018 وحده ، في وقت قُدّر فيه احتياطي البنك المركزي بعدن في مرحلة لاحقة من الأزمة بمبلغ متواضع لم يتجاوز 225 مليون دولار فقط، وهي ندرة في الاحتياطي غذّت بدورها المضاربة في سوق الصرف الموازي .
النتيجة كانت انهيارًا متسارعًا وموثقًا بالأرقام: فبين يوليو 2024 ويوليو 2025 وحدهما، فقد الريال في مناطق حكومة عدن نحو 51% من قيمته أمام الدولار، إذ قفز سعر الصرف من 1890 ريالًا إلى 2865 ريالًا خلال عام واحد فقط، بينما لم يتجاوز التغيّر في مناطق سيطرة الحوثيين خلال نفس الفترة الانتقال من 524 إلى 534 ريالًا فقط ،فارق يقارب 25 ضعفًا في حدّة التقلب بين المنطقتين، رغم أنهما تنتميان لبلد واحد ولنفس الظروف الإقليمية المحيطة.
الصورة ليست ثابتة تمامًا
من الأمانة العلمية الإشارة إلى أن هذا الانهيار لم يكن خطًا مستقيمًا بلا تعرّجات: ففي صيف 2025، سجّل ريال عدن انتعاشًا مفاجئًا، إذ ارتفعت قيمته بأكثر من 44% خلال أسابيع، بعد أن تبنى البنك المركزي عدن حزمة إصلاحات شملت كبح المضاربة والتلاعب بالعملة، وتنظيم تمويل الواردات عبر لجنة وطنية مخصصة، وإلزام السوق المحلي باستخدام الريال حصرًا في المعاملات الداخلية، بقوة الفرض السياسي للأمر وهو ما يؤكد أن جذر الأزمة إداري وسياسي بالدرجة الأولى، قابل للتحسن الجزئي متى توفرت الإرادة والانضباط المؤسسي، لا مجرد قدر اقتصادي محتوم لا فكاك منه.
لماذا يشعر كل يمني أن راتبه "يذوب" شهريًا؟
الأرقام الكبرى التي تناولناها في الأجزاء السابقة -أسعار الصرف، نسب الانهيار، تواريخ القرارات- قد تبدو لغير المتخصص مجرد إحصاءات باردة تُقرأ وتُنسى، لكن خلف كل رقم منها، هناك وجبة عشاء نُقصت من مائدة أسرة، ودواء تأجل شراؤه، وابتسامة طفل لم تحصل على ثمن لعبة كانت تساوي بالأمس القليل واليوم أصبحت بعيدة المنال.
هذا الجزء لا يتحدث عن "الاقتصاد" بالمعنى المجرد، بل عن الثمن الذي يُستقطع يوميًا من حياة وعيش المواطن اليمني.
حين يُصبح الراتب "عملة أجنبية" داخل وطنه
أصبحت الرواتب التي ترسل من عدن الى صنعاء بالريال اليمني تفقد تسعة أعشار قيمتها فور عبورها خط التماس، هذه ليست مبالغة صحفية، بل نمط موثّق تكرر لسنوات: ففي مرحلة سابقة من الأزمة، وثّقت دراسات أن تحويل 100 ألف ريال فقط من عدن إلى صنعاء كان يستلزم دفع 70 ألف ريال كعمولة، لم تكن في حقيقتها سوى فارق سعر الصرف بين المنطقتين متخفيًا في ثوب "رسوم تحويل" ولاحقًا، حين حاول بنك عدن وقف التحويلات نحو المناطق الشمالية لضبط انهيار العملة، ارتفعت عمولات شركات التحويل إلى 20% من قيمة أي مبلغ محوَّل، لتغطية فارق الصرف نفسه بمعنى أبسط: المواطن اليمني يدفع اليوم "ضريبة انقسام" لم يُقرها أي برلمان ولم يوافق عليها أي مواطن، لكنها تُقتطع من جيبه في كل مرة يحاول فيها ببساطة أن يعيل من يحب.
حين يتغيّر سعر السلعة قبل أن تصل يدك إلى النقود
في أسواق اليمن اليومية، لم تعد مشكلة التاجر أو ربة المنزل هي "ارتفاع الأسعار" بالمعنى المعتاد، بل "عدم القدرة على معرفة السعر الصحيح أصلاً" في لحظة الشراء، نتيجة تقلبات سعر الصرف المتلاحقة خلال اليوم الواحد نفسه فحين ينهار الريال بنسبة 51% خلال عام واحد فقط ، فإن هذا ليس رقمًا يُقرأ في تقرير، بل يعني عمليًا أن نفس الراتب الذي كان يشتري كيس دقيق وزجاجة زيت وبعض الخضار قبل عام، بالكاد يشتري نصف هذه الاحتياجات اليوم، دون أن يتغيّر رقم الراتب المكتوب على كشف الحساب ولو بريال واحد.
عرض وتقديم
أ/ أسامة محمد الشوخي
خبير مصرفي - باحث وكاتب في
التحول الرقمي المصرفي والشمول المالي
لمتابعة صفحة منصة الاقتصاد 360 في الفيس بوك اضغط على الرابط التالي: