تهريب الذهب في السودان يكبّدها خسائر تفوق الـ18 مليار دولار سنويا
29 Jul, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
تُظهر أحدث الأرقام الصادرة عن وزارة المعادن وبنك السودان المركزي هبوطاً لافتاً في إيرادات صادرات الذهب الرسمية؛ حيث لم تتجاوز 909.5 ملايين دولار حتى سبتمبر 2025، مقارنة بنحو ملياري دولار سجّلتها البلاد في عام 2021.
وذكرت صحيفة "المشهد" السودانية، عبر موقعها الإلكتروني، اليوم الثلاثاء، أن السودان يمتلك واحدة من أكبر ثروات الذهب في المنطقة، إلّا أن هذه الثروة التي تُقدَّر بمليارات الدولارات ما تزال بعيدة عن تحقيق العائد الاقتصادي المتوقع، في ظل اتساع الفجوة بين الإنتاج والصادرات الرسمية، وتصاعد المخاوف من سيطرة شبكات التهريب على جانب كبير من المعدن النفيس، الذي أصبح مرتبطاً بتداعيات الحرب المستمرة في البلاد.
ونقلت الصحيفة عن وزير المالية في الحكومة السودانية جبريل إبراهيم، قوله خلال مشاركته في ملتقى التعدين بالخرطوم، إنّ إنتاج الذهب في السودان يصل إلى نحو 199 طناً سنوياً، بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار، مشيراً إلى أن ما يدخل إلى خزينة الدولة من هذه العائدات لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الإنتاج الفعلي.
وأوضح إبراهيم أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع وزارة المعادن على توسيع نطاق التعدين المنظم، وتقليص الاعتماد على التعدين الأهلي وصولاً إلى إنهائه بشكل كامل، لافتاً إلى أن هذا النوع من التعدين تسبب في فقدان كميات كبيرة من المعادن النفيسة، من بينها خامات قد تفوق قيمتها قيمة الذهب نفسه.
وأشار الوزير إلى أنّ حجم الذهب المفقود يُقدَّر بنحو 111 طناً، تصل قيمتها إلى أكثر من 18 مليار دولار، في وقت لم تتجاوز فيه الإيرادات التي دخلت الخزينة العامة من إنتاج الذهب خلال عام 2025 نحو 1.8 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال خمس سنوات، وفق بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية.
وأظهرت الأرقام تحولاً كبيراً في وضع قطاع الذهب السوداني خلال السنوات الأخيرة، ففي عام 2020 كانت الدولة تسيطر على نحو 99% من الإنتاج، بعدما جرى تصدير 25.02 طناً من إجمالي إنتاج محلي بلغ 25.2 طناً، لكن هذه السيطرة تراجعت بصورة حادة بحلول سبتمبر/أيلول 2025، إذ لم تتجاوز نسبة الصادر الرسمي 22% فقط، بواقع 11.7 طناً من إجمالي إنتاج وصل إلى 53.5 طناً.
وفي ظل هذا التراجع، تصاعدت أزمة تهريب الذهب التي أصبحت واحدة من أكبر التحديات أمام الاقتصاد السوداني، إذ تشير تقارير رسمية إلى أنّ نحو 90% من إنتاج الذهب يقع تحت سيطرة شبكات التهريب، ما يعكس ضعف أدوات الرقابة وصعوبة ضبط حركة المعدن النفيس داخل البلاد وخارجها.
يأتي تفاقم أزمة تهريب الذهب في السودان في وقت يعاني فيه الاقتصاد الوطني من ضغوط غير مسبوقة، فرضتها الحرب الدائرة منذ إبريل/نيسان 2023، والتي أدت إلى انهيار كبير في البنية التحتية الاقتصادية، وتراجع حاد في الإيرادات السيادية، وتدهور غير مسبوق في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.
ويشكل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، إذ كان يمثل قبل الحرب أحد أبرز روافد ميزان المدفوعات، في ظل تراجع صادرات القطن والصمغ العربي والمنتجات الزراعية الأخرى التي كانت تاريخياً العمود الفقري للصادرات السودانية، غير أنّ اتّساع الفجوة بين الإنتاج الفعلي والصادرات الرسمية يعكس عجز الدولة عن فرض سيطرتها على مناطق التعدين، خصوصاً في ظل تمدّد مناطق النزاع وتوسع سيطرة أطراف غير حكومية على بعض مواقع الإنتاج، ولا سيّما في دارفور وبعض ولايات الشرق والوسط.
ويرتبط تصاعد التهريب بعدة عوامل متشابكة، من أبرزها:
فجوة سعر الصرف: استمرار الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي يجعل تهريب الذهب عبر الحدود أكثر جدوى اقتصادياً للمعدّنين والتجار مقارنة بالبيع للجهات الرسمية.
ضعف الرقابة الحدودية: امتداد الحدود السودانية مع دول الجوار (مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا) عبر مناطق صحراوية وغير مأهولة يصعّب ضبط حركة المعدن.
تراجع سلطة الدولة في مناطق الإنتاج: تسبب النزاع المسلح في إضعاف قدرة الأجهزة الرسمية على فرض الرقابة في مواقع التعدين التقليدي.
انتشار التعدين الأهلي غير المنظم: يعتمد جزء كبير من الإنتاج على تعدين غير مرخص، ما يجعل تتبع الكميات المستخرجة وتوجيهها للتصدير الرسمي أمراً بالغ الصعوبة.
وتؤكد مؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أن الاقتصادات التي تعتمد على الموارد المعدنية دون رقابة فعالة تكون عرضة لما يُعرف بـ"لعنة الموارد"، إذ تتحول الثروة الطبيعية إلى عامل يغذي الصراعات بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية، وهو ما ينطبق إلى حد كبير على الحالة السودانية الراهنة.
وتحاول الحكومة السودانية، وفق تصريحات المسؤولين، معالجة الأزمة عبر مسارَين:
تشديد الرقابة على الصادرات وتوسيع الشراء الحكومي بأسعار تنافسية لتشجيع البيع عبر القنوات الرسمية من جهة.
تقليص التعدين الأهلي تدريجياً لصالح التعدين المنظم من جهة أخرى.
(أسوشييتد برس، العربي الجديد)
فريق التحرير والدعمنرد في أقرب وقت عادةً
مرحباً بك في الاقتصاد 360، هل لديك خبر تود نشره أو استفسار؟