2026/07/29
الذهب: $4,014.45 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1386 (LIVE)
الأخبار
لماذا يرى المصرفيون في العملات المشفرة فرصةً لتحقيق أرباح ضخمة؟!!
أخبار الاقتصاد

لماذا يرى المصرفيون في العملات المشفرة فرصةً لتحقيق أرباح ضخمة؟!!

29 Jul, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

قبل عشر سنوات، راهنت البورصة الأسترالية الرئيسية على أن مستقبلها يكمن في تحول جذري نحو استخدام تقنية "بلوكتشين" في مقاصة وتسوية تداولات الأسهم.

كان الهدف آنذاك الاستفادة من الجوانب العملية لتقنيات العملات المشفرة، من دون الانجرار إلى حمى المضاربات المحيطة بالأصول الرقمية. لكن المشروع انتهى على غرار مشروع "الميتافيرس" الذي روّج له مارك زوكربيرغ، فكان باهظ التكلفة وبطيء التنفيذ، ثمّ وُضع جانباً.

الخطوة الأسترالية قد تبدو متحفظة في ضوء الأحداث الراهنة. في وول ستريت، تتسابق مؤسسات مالية عملاقة مثل "جيه بي مورغان تشيس" لتحويل الأوراق المالية إلى رموز رقمية، بينما تسعى بورصة لندن إلى مجاراة منصات العملات المشفرة عبر إتاحة التداول على مدار الساعة، فيما تشارك عملاقة بطاقات الائتمان "فيزا" ضمن تحالف يضم مؤسسات مالية كبرى لإطلاق عملة مستقرة، مدعومة بالدولار.

فهل عادت تقنية "بلوكتشين" التي تقوم عليها هذه المبادرات، لتفرض نفسها مجدداً بوصفها تقنية المستقبل؟

ترميز الأصول يكتسب زخماً

المتحمسون المعتادون للتقنيات الحديثة ليسوا وحدهم من يرون أن هذه المرة تختلف عن سابقاتها، من حيث الاستخدامات الجادة لتقنية "دفاتر السجلات الموزعة"، وهي النظام الرقمي اللامركزي الذي يتيح استخدام الرموز المشفرة كوسيلة للتبادل.

فالرئيس السابق لهيئة تنظيم أسواق المال الفرنسية روبير أوفيلي يرى أن "ترميز الأصول" أصبح توجهاً راسخاً. ويقول إن التقنية تجاوزت مرحلة عدم النضج، كما أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ألقت بثقلها خلف هذا التوجه، في وقت تضخ مؤسسات مالية كبرى استثمارات حقيقية، لا افتراضية، في هذا المجال.

ويضيف أوفيلي: "التجارب المبكرة للبلوكتشين، مثل التجربة الأسترالية، كانت فشلاً على المستوى التشغيلي، لا على المستوى الفكري".

إلى أين يقود كل ذلك؟ قد يبدو للبعض أن شراء الأوراق المالية وبيعها يجري اليوم بسلاسة كافية، تماماً كما تتم المدفوعات اليومية عبر البطاقات المصرفية أو الهواتف الذكية. لكن، بحسب أنصار "ترميز الأصول"، فإن هذا الرأي يعكس محدودية في تصور ما يمكن أن تتيحه التقنية.

فتحويل الأموال إلى رموز رقمية من شأنه اختصار المراحل التي تمر بها معاملات الأسواق وصفقات التداول، بما يسمح بتسوية الصفقات فوراً، وتطبيق قواعد مبرمجة تحدد وجهة الأموال وموعد تحويلها تلقائياً. كما قد تصبح الضمانات المستخدمة لدعم الصفقات والاستثمارات أسهل من حيث النقل والإدارة، ما قد يشكل حافزاً يدفع البنوك إلى أتمتة جانب أكبر من عملياتها الداخلية.

البنوك تواكب التحول

لكن هذا التحول لا يخلو من المخاطر. ومع ذلك، بدأت المؤسسات المالية ترى فيه فرصاً يصعب تجاهلها. وأظهرت دراسة أجرتها "مجموعة بوسطن الاستشارية" (BCG) أن فرق أسواق رأس المال في البنوك قد تتمكن من زيادة العائد على حقوق المساهمين بنحو أربع نقاط مئوية، بفضل تسريع تسوية الصفقات وارتفاع أحجام التداول، حتى مع تحمل كلفة الإبقاء على نظام موازٍ لخدمة العملاء الذين يفضلون مواصلة التداول بالآليات التقليدية. ويعني ذلك تحقيق نحو مليار دولار من الأرباح الإضافية سنوياً لبنك كبير عادي.

كما أن ثمة حاجة دفاعية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في التصدي لمليارديرات وادي السيليكون الذين يضعون القطاع المالي التقليدي نصب أعينهم، باعتباره الصناعة التالية التي يسعون إلى إعادة تشكيلها وإزاحة اللاعبين التقليديين منها.

ويتجلى ذلك في معارضة البنوك منح حاملي العملات المستقرة فوائد مماثلة لتلك التي تدفعها على الودائع المصرفية التقليدية.

لكن مثل هذه التحركات الدفاعية لن تكفي إلى الأبد، حتى إن أثبتت البنوك، في المجمل، قدرتها على الصمود في مواجهة موجات التحول الرقمي. ويشير أوفيلي إلى أنه كلما اتسع نطاق ترميز الاستثمارات والأصول المالية، ازدادت الحاجة إلى أن تواكب وسائل الدفع اليومية هذا التحول.

في حين لم تنجح "بتكوين" يوماً في تجاوز كونها أداة للمضاربة لتصبح وسيلة حقيقية للتبادل، فإن المبادرات التي تقودها اليوم المؤسسات المالية التقليدية مختلفة.

من يرسم مستقبل المدفوعات؟

تشارك شركة المدفوعات العملاقة "سترايب" (Stripe)، إلى جانب "فيزا"، في التحالف الذي يعمل على وضع معيار جديد للعملات المستقرة، يحمل اسم "أوبن يو إس دي" (Open USD). وتخطط للاستحواذ على شركة "باي بال" (PayPal)، في خطوة توحي بأن قطاع التكنولوجيا المالية يقف على أعتاب إعادة تشكل واسعة.

فالجمع بين منتجات "سترايب" السلسة وشبكة التجار الواسعة التي تعتمد عليها، وبين قاعدة عملاء "باي بال" التي تتجاوز 400 مليون مستخدم، قد يشكل نقطة تحول في ترسيخ استخدام العملات الرقمية في المعاملات اليومية. غير أن هذا السيناريو يثير أيضاً مخاوف من أن يؤدي إلى انحسار المنافسة في السوق.

ورغم موجة التفاؤل، لا تزال هناك تحديات يصعب تجاهلها. على سبيل المثال، قد تنشأ حاجة إلى شكل موثوق من النقود الرقمية يُستخدم في سداد المدفوعات وتسوية الصفقات، إذا لم يكن الرمز الرقمي الصادر عن بنك ما متوافقاً مع الرمز الرقمي الصادر عن بنك آخر.

من الناحية النظرية، يمكن لعملة مستقرة مثل "أوبن يو إس دي" (Open USD) أن تؤدي هذا الدور إذا استخدمها ما يكفي من الأشخاص، إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في الحاجة إلى شكل من أشكال العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية.

ومهما يكن المسار الذي ستنتهي إليه هذه التحولات، فإن مكاسب الكفاءة التي يعد بها هذا العالم الجديد قد تتآكل إذا اضطرت المؤسسات إلى التنقل باستمرار بين أنظمة دفع متعددة، سواء كانت محلية أم عابرة للحدود.

المال الرقمي بين الطموح والواقع

أما فيما يخصّ الضجة التي تحيط بالعملات المستقرة في الآونة الأخيرة، من المهم إدراك أن معظم القيمة السوقية لهذا القطاع، البالغة نحو 300 مليار دولار، لا تزال تستند إلى استخدامها كأداة لتداول العملات المشفرة الأكثر تقلباً.

وحتى إذا نجحت المبادرات التي تقودها الشركات والمؤسسات المالية، فمن المرجح أن يكون تحديث تداول الأوراق المالية أسهل بكثير من إزاحة أنظمة المدفوعات اليومية القائمة. فبحسب شركة "أوليفر وايمان" (Oliver Wyman) الاستشارية، تبلغ قيمة مدفوعات التجزئة في أوروبا نحو 58 تريليون يورو (66 تريليون دولار)، وهي منظومة تعمل اليوم بكفاءة تجعلها تبدو، بالنسبة إلى المستهلك، شبه خالية من أي تعقيد.

ولا تقتصر التحديات على ذلك، إذ لا تزال هناك مخاطر تؤرق الجهات التنظيمية، في مقدمتها الهجمات السيبرانية. ثم هناك مسألة تعدد أنظمة التداول والدفع التي لم تُختبر بعد خلال أزمة من حجم الأزمة المالية العالمية عام 2008 مثلاً.

لكن أياً من هذه المخاطر لا يضاهي الخشية من التخلف عن الركب، سواء بالنسبة لشركات أو على المستوى السياسي. ولهذا يواصل البنك المركزي الأوروبي الدفع بمشروع "اليورو الرقمي"، إلا أنه، كما هو الحال مع العملات الورقية التقليدية، يصعب التغاضي عن الهيمنة الساحقة للعملات المستقرة المقومة بالدولار.

ولخصت النشرة الإخبارية "عملة القوة" (Currency of Power) هذا الواقع بقولها: "أتاحت الولايات المتحدة للإصدارات الخاصة من عملتها أن تزدهر، بينما تكتشف أوروبا، بفعل حذرها المفرط من المخاطر، أن الاحتواء لا يختلف عملياً عن الغياب".

ومع ذلك، يظل من الحكمة توخي الحذر، مع التركيز على ما يحقق فائدة ملموسة للاقتصاد الحقيقي. فالبرازيل طورت نظام المدفوعات الفورية "بيكس" (Pix)، من دون الاستعانة بتقنية "بلوكتشين"، وحقق نجاحاً كبيراً في تسريع المعاملات وزيادة كفاءتها وتوسيع نطاق الشمول المالي. وبلغ نجاحه حداً أثار غضب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعدما أصبح منافساً لهيمنة "فيزا" و"ماستركارد" على سوق المدفوعات. وليست أستراليا وحدها إذاً التي تقدم لمحة عما سيكون عليه مستقبل المال.

 

اقتصاد الشرق