مـحـمد عـلـي ثامر
صحافي وباحث اقتصادي يمني
E-mail: ezzthamer81@gmail.com
يُعدّ التَّمويل الأصغر أحد أهم الأدوات الاقتصادية والاجتماعية في الدُّول النَّامية والأقل نموَّاً؛ إذ يسهم في مكافحة الفقر، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وتمكين الفئات محدودة الدَّخل من إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة قادرةً على توليد فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلدانها وشعوبها، ومن هذه الدُّول تأتي اليمن؛ حيث برزت بنوك ومؤسسات التَّمويل الأصغر بوصفها طوق نجاةٍ لاقتصاده المُتضعضع من جراء استمرار الحرب الأهلية (2014 - 2026م)، والانكماش الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وغيرها، وبالرغم من الكمُّ الهائل من التَّحديات التي تواجهها هذه البنوك في اليمن؛ أبرزها تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة (44.5%) بصورةٍ تراكمية بين عامي (2014 – 2025م)، وارتفاع معدل التضخم بنسبة (35%) على أساسٍ سنوي، وعدم الاستقرار السياسي والأمني، وضعف البيئة الاستثمارية، وتدهور سعر العُملة الوطنية أمام الدُّولار، وتدني القوة الشِّرائية للمواطنين، وصعوبة استرداد بعض التَّمويلات، والانقسام المالي والمصرفي... إلخ، حيث أثَّرت هذه التَّحديات على قُدرة البنوك على التَّوسُّع والنُّمو والاستدامة؛ ولكن برز «بنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي (KIMB)» بكونه نموذجاً مُهماً لدراسة دور هذه البُنُوك في دعم التَّنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذا البلد؛ حيث يُنظر إليه باعتباره من أبرز المؤسسات المالية اليمنية التي نجحت في مواجهة هذه التَّحديات وتحويلها إلى عناصر نجاحٍ استطاعت بها التَّوسُّع والوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، عبر خدمات التَّمويل الأصغر والمتوسط، والتحويلات المصرفية، والخدمات الرَّقمية، مستفيداً من شبكةٍ واسعةٍ من الفروع والخبرة المتراكمة منذ تأسيسه كشركة صرافة في عام 1995م قبل تحوُّله إلى بنكٍ للتمويل الأصغر الإسلامي عام 2010م.
التَّمويل الأصغر ودوره التَّنموي: -
التَّمويل الأصغر هو تقديم خدماتٍ ماليةٍ ومصرفيةٍ للفئات ذات الدَّخل المحدود، تشمل التَّمويل الصغير والمتوسط للمشروعات القائم على التمويل الإسلامي وعلى نظامي المرابحة والمشاركة، وقبول ودائع الادخار، وإجراء التحويلات المالية.. وغيرها؛ ولهذا تكمن أهميته في الحدِّ من الفقر، وتخفيف معدل البطالة، وتمكين فئتي المرأة والشَّباب اقتصادياً، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتنشيط الأسواق المحلية، وتعزيز الشُّمول المالي... وغيرها، وتشير التقارير الدولية إلى أن هذا القطاع يُمثِّل العمود الفقري للاقتصادات النَّامية، بل وتُشكِّل مؤسساته ما يزيد عن (90%) حول العالم، وتستوعب حوالي (70%) من الأيدي العاملة؛ ممَّا يجعلها الأكثر قُدرةً على تحريك هذه الاقتصادات، بل وتنميتها وتطويرها.
ومنذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن شهد التَّمويل الصَّغير والأصغر اهتماماً عالمياً كبيراً، حيث العديد من نماذجه التَّمويلية المختلفة؛ ثلاثة منها تتبع نظام المجموعة مع وجود اختلافٍ نسبيٍّ في نظامها، وهي: نموذج بنك جرامين في بنجلاديش بنظام المجموعات التَّضامنية، ونموذج (Accion) في أمريكا اللاتينية مع نظام مجموعاتٍ أكثر مرونة، ونموذج (BRI BKK) في إندونيسيا، أما النُّموذج الرَّابع ويعتبر أقدم هذه النَّماذج، ويوجد في سريلانكا، ويقوم بتقديم قروضٍ صغرى فردية لأسر غاية في الفقر بهدف مساعدَّة هذه الأسر على البدء في أنشطةٍ إنتاجية أو تنمية مشاريعهم الصَّغيرة؛ وقد حقَّقت هذه النماذج نسب إيفاءٍ للقروض عالية، وانعدمت فيها نسبة المخاطرة كثيراً.
واقع التَّمويل الأصغر في اليمن:-
تعدُّ اليمن من أوائل البلدان في المنطقة العربيّة التي قامت بإدخال التَّمويل الأصغر في سياساتها التَّنموية، من أجل خلق فرص عملٍ جديدة، وتحسين الظُّروف المعيشية لأفراد المجتمع؛ سواءً أكانوا في المناطق الحضرية أو الرِّيفية، حيث يبلغ مجتمعه الرِّيفي ما نسبته (70%) من إجمالي السُّكان؛ ولهذا فإن المشروعات الصَّغيرة والمتوسطة تعد ذات أهميةً كبيرة في الاقتصاد اليمني، من حيث أنها يمكنها القيام بدورٍ فعَّال في تنمية المناطق الرِّيفية، من خلال توافر العمل المُنتج في المكان الذي توجد فيه القوى العاملة، وبالتَّالي يضع حدَّاً للهجرة الدَّاخلية إلى المناطق الحضرية، ويعمل على تحقيق زيادةً في دخل تلك الأسر، ورفع المستوى المعيشي لهم، ممَّا يؤدي إلى تطوير وتنمية مناطقهم بجهودهم الذَّاتية، وهذا بدوره يسهم بأثرٍ إيجابي في الاقتصاد القومي.
وقد بدأت صناعة التَّمويل الأصغر في اليمن عام 1997م من قبل الصُّندوق الاجتماعي للتَّنمية، حيث أنشأ خمسة برامج تمويلٍ أصغر في المناطق الرِّيفية، حقَّقت نجاحاتٍ كبيرة، مما دفع بالصندوق ذاته إلى إنشاء «وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS)» في عام 1998م، كما شهد اليمن أيضاً في عام 2002م إنشاء «صندوق تمويل الصناعات والمنشآت الصَّغيرة» الذي هدف إلى تمويل المشروعات الصَّغيرة من خلال تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية (التي بلغت حوالي (14) مليون دولار حتى عام 2014م).
ولأهمية هذا المجال؛ نفَّذت مجموعة سيجاب (المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء) دراسةً عن التَّمويل الأصغر في اليمن في عام 2005م، كما نفَّذ البنك الدُّولي في عام 2007م دراسةً لتقرير الاحتياجات الماليّة للمؤسسات الصَّغيرة والمتناهية الصِّغر في اليمن؛ حيث خلصتا هاتين الدراستين إلى أن الشريحة السُّوقية للمؤسسات الصَّغيرة ومتناهية الصِّغر لا تزال غير مستثمرة بالكامل، ويتوجب دعمها وتشجيعها.
وخلال الفترة (1997م – 2010م) طبَّقت مؤسسات التَّمويل الأصغر والتي بلغت (11) مؤسسة، مبدأ الإقراض الجماعي، بحيث لا تطلب ضماناً مادياً، وتوفِّر نوعاً من التدريب الاقتصادي أو الاجتماعي للعُملاء، ونظراً لأن العديد من هذه المؤسسات تأسس بمهمة تمكين المرأة من خلال التَّمويل، وتُمثِّل النِّساء أكثر من (87%) من العُملاء؛ لتحقِّق صناعة التَّمويل الأصغر في اليمن المركز الأول على مستوى الوطن العربي في عام 2010م وفقاً لتقييمات وحدة المعلومات التَّابعة لـ«مجلة الاقتصادي البريطانية»، وعلى المرتبة السَّابعة والعشرين دولياً، في الترتيب العام لصناعة التَّمويل الأصغر، بحسب دراسة تقييمية أجرتها وحدةٌ مُتخصصة في الدِّراسات تابعة لـ«مجموعة الأيكونوميست الدُّولية» التي أعلنت تبوء اليمن مكانةً عالية بين الدُّول التي ترعى بيئة الأعمال الأصغر في العالم بعد تطبيقها معايير الدِّراسة؛ الأمر الذي دفع بالصُّندوق الاجتماعي للتَّنمية لتقديم الدعم الفني والمؤسسي لإنشاء عددٍ من بنوك التَّمويل الأصغر الجديدة في اليمن.
ومن ضوء هذا النجاح لمؤسسات التَّمويل الأصغر، بادرت الحكومة اليمنية لإصدار قانوناً خاصاً بالتَّمويل الأصغر، وهو القانون رقم (15) لسنة 2009م، والذي يعدُّ نقطة التَّحوُّل في هذا المجال، وتحديداً مع اعتماد نظامٍ لإصدار تراخيص لإنشاء بنوكٍ مُتخصِّصةٍ بالتَّمويل الأصغر وتحت إشراف البنك المركزي اليمني، كان أولها «بنك الأمل للتمويل الأصغر» عام 2007م، و«بنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي» عام 2010م، ثم توالى إنشاء البنوك المُتخصِّصة في هذا المجال؛ ليؤسس الصُّندوق الاجتماعي للتَّنمية وبرنامج الأمم المُتَّحدة الإنمائي (UNDP)، "شبكة اليمن للتَّمويل الأصغر" كأول شبكة محلية للتَّمويل الأصغر في اليمن قائمة على العضوية، وقد تم تسجليها في وزارة الشُّؤون الاجتماعية والعمل في 31 أغسطس 2009م كمنظمةٍ غير حكومية، ووصل عدد الأعضاء حتى نهاية 2014م، إلى (20) عضواً من بنوك ومؤسسات وشركات وبرامج التَّمويل الأصغر.
الجدير بالذكر فإن أنشطة التَّمويل الأصغر في اليمن تنحصر في مجالين مختلفين: القطاع الرَّسمي (بنوك التَّمويل الأصغر) الخاضع لضوابط البنك المركزي اليمني بموجب قانون بنوك التَّمويل الأصغر رقم (15) لسنة 2009م، والقطاع غير الرَّسمي (مؤسسات التَّمويل الأصغر) الخاضع لقانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية رقم (1) لسنة 2001م.
ومن ضوء هذا الزَّخم نالت اليمن في عام 2013م المرتبة الثَّانية في تمويل المشروعات الصَّغيرة والمتوسطة وفقاً لدراسةٍ أعدتها «مؤسسة سيتي جروب» المصرفية العالميّة، وتحت عنوان «تمويل نمو الإقراض للتَّنمية المستدامة للشركات الصَّغيرة والمتوسطة في الشَّرق الأوسط وإفريقيا».
ومنذ عام 2014م واجه الاقتصاد اليمني تحدياتٍ غير مسبوقة، أبرزها انهيار مؤسسات الدَّولة، وتراجع الحركة الاستثمارية، وهروب رؤوس الأموال، وارتفاع معدلات الفقر، وتقلص فرص العمل، وتعثر القطاع المصرفي التَّقليدي.. وفي ظل هذه الظُّروف، أصبحت بنوك التَّمويل الأصغر أكثر أهميةً، لأنها تستهدف الفئات غير القادرة على الوصول للبنوك التِّجارية، وتوفِّر خدماتٍ ماليةٍ مرنة، وتعتمد على التَّمويل الإسلامي المقبول اجتماعياً، وتصل إلى المناطق الرِّيفية والنَّائية، كما أنها تُساعد في استمرار الدَّورة النَّقدية داخل المجتمع، خصوصاً مع الاعتماد المتزايد على التَّحويلات المالية الداخلية والخارجية؛ لتنشئ منذ العام 2021م عددٌ آخر من بنوك التَّمويل الأصغر في مناطق السيطرة المنقسمة في اليمن.
وبشكلٍ عام فخلال الفترة (2009 – 2025م) قدَّمت بُنُوك ومؤسسات التَّمويل الأصغر في اليمن دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، حيث يوضح الجدول التالي أعداد المقترضين في هذا القطاع:-
المصدر: تجميع الباحث من الأرقام الرسمية للصندوق الاجتماعي للتنمية (2009 = 2025م).
ومما سبق يتضح بأنه خلال الفترة (2009 – 2014م) ارتفع اجمالي عدد المقترضين في قطاع التمويل الأصغر في اليمن بنسبة (196%)، ولكن بعد اندلاع الحرب عام 2015م، بدأت أعداد المقترضين النشطين بالانخفاض كل عام وحتى عام 2018م، مع نمو إجمالي المقترضين بشكلٍ طفيف في عام 2019م، ثم تحسن قليلاً أيضاً في عامي (2020 – 2021م)، ثم انخفاضاتٌ أخرى متتالية في الأعوام (2022 – 2025م)، ليتجاوز انخفاض أعداد المقترضين من بنوك ومؤسسات التمويل الأصغر في اليمن نسبة الـ(40%) مقارنةً بما كان عليه الحال في عام 2014م؛ وهذا الانخفاض قد يعود إلى عاملين مهمين، هما: العامل الخارجي والمتمثل في تأثيرات الحرب والانقسام المصرفي، والعامل الداخلي والمتمثل باتجاه بنوك ومؤسسات التمويل الأصغر بدلاً من استهداف أعداد كبيرة من المقترضين، اتجهت نحو تقليل عدد القروض، ورفع متوسط قيمة التمويل، والتركيز على العملاء الأقل مخاطرة، والتوسع في التمويل الرقمي المحدود المخاطر؛ ولهذا انخفض عدد المقترضين بينما ارتفعت القيمة الإجمالية للمحافظ التمويلية في هذه السنوات؛ وبشكلٍ عام فقد أدَّى انخفاض أعداد المقترضين خلال تلك الفترة لانعكاس صورةً مكثفةً لانكماش الاقتصاد الحقيقي في البلاد؛ أي أن قطاع التمويل الأصغر انتقل من مرحلة التوسع إلى مرحلة البقاء وتقليل الخسائر خلال فترة الحرب الأهلية اليمنية.
بنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي دراسة حالة:-
بدأ بنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي كشركة صرافةٍ وتحويلات عام 1995م، قبل أن يتحوَّل إلى بنكٍ متخصصٍ بالتَّمويل الأصغر عام 2010م، مستنداً إلى خبرةً واسعة في السوق اليمنية، وقد استطاع هذا البنك أن يُوسِّع نشاطه ليشمل التَّمويل الإسلامي، والتحويلات المالية، والمحافظ الإلكترونية، والخدمات الرقمية، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث باشر مع انطلاقته بتقديم تمويلاتٍ ماليةٍ متنوعة، رغبةً منه في رفع وتحسين المستوى المعيشي للإنسان اليمني وبشكلٍ يسهم في الحدِّ من الفقر، والتَّقليل من البطالة، وعمل على تحفيز وتشجيع الاستثمارات المختلفة، كما ساهم البنك في إنشاء ودعم المنشآت والشَّركات في مختلف القطاعات الاقتصادية؛ حيث استهدف من يمتلكون أنشطةً زراعيةً أو تجاريةً أو خدميةً أو صناعيةً صغيرةً أو متوسطة، وبضماناتٍ مُيسَّرة وبصيغٍ إسلامية وفق أحكام الشَّريعة الإسلامية ليكون هو البنك اليمني الأكثر في تقديم التَّمويلات المختلفة للأعوام [2019، و2020، و2021، و2022، و2023م]؛ وبلغ حجم هذه التَّمويلات منذ منتصف عام 2010م وحتى منتصف عام 2025م عدد (89,083) عملية تمويل، وبمبلغ إجمالي (171,654,041,984) ريالاً يمنياً، وتفاصيلها في الجدول التَّالي:-
المصدر: تجميع الباحث من التقارير السنوية لبنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي (2010 = 2025م).
ومن خلال الجدول والشَّكل الموضحان، يتَّضح بأن لدى بنك الكُرَيْمِي ثلاثة أقسامٍ للتَّمويل تتمثَّل في: التَّمويل الصَّغير جداً، والتَّمويل المُتوسط، والتَّمويل الزِّراعي؛ ففي التَّمويل الصَّغير جداً بلغ عدد المشاريع المُموَّلة خلال نفس الفترة عدد (63) ألف مشروع، وبمبلغ تمويلي قيمته (97) مليار ريال يمني، أما التَّمويلات المُتوسطة ولنفس الفترة فبلغ عدد المشاريع (16,045) ألف مشروع وبمبلغ (44) مليار ريال يمني، والتَّمويل الزِّراعي بلغ عدد المشاريع (10,038) مشروع، وبمبلغ تمويلي قدره (30) مليار ريال يمني؛ ويمكننا ذكر نوعين من هذه التَّمويلات؛ حيث بلغ إجمالي تمويلات المرأة من أقسام التَّمويل (12,700) مشروع، وبمبلغ تمويلي قدره (12,5) مليار ريال يمني، وبلغ إجمالي تمويلات الطَّاقة الخضراء من اقسام التَّمويل (4,829) مشروع، بمبلغ تمويلي قدره (17,265) مليار ريال يمني؛ وهنا يتَّضح حجم مساهمة هذا البنك في التَّنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليمن والتي تمثلت عبر عدة مسارات، أهمها:
(أ) دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة: حيث وفّر تمويلاتٍ لأصحاب تلك المشاريع مثل: البقالات، الورش الحرفية، المشاريع الزراعية، الأنشطة التجارية الصغيرة، المشاريع النسائية المنزلية؛ وهذا النوع من التَّمويل يساعد في خلق دخلٍ مستدامٍ للأسر.
(ب) تعزيز الشُّمول المالي: نجح البنك في الوصول إلى شرائح لم تكن تتعامل مع البنوك التجارية سابقاً، خصوصاً سكان الأرياف، وأصحاب الدخل المحدود، والنساء، والشباب؛ وهو ما يعزز مفهوم "الشُّمول المالي"، أي إدخال الفئات المهمشة إلى النظام المالي الرسمي.
(ج) دعم التحويلات المالية: حيث أصبح البنك أحد أبرز قنوات التحويلات المالية في اليمن، وهو دورٌ حيويٌّ في اقتصادٍ يعتمد بدرجةٍ كبيرة على تحويلات المغتربين، وقد ساعد ذلك في تحريك السوق المحلية، وتخفيف حدَّة الفقر، وتوفير السيولة للأسر.
(د) التحول الرقمي والخدمات الإلكترونية: عمل البنك على توسيع الخدمات الرقمية والمحافظ الإلكترونية – حيث تعدُّ خدمة (إم فلوس) الإلكترونية؛ هي أول محفظةٍ نقديةٍ إلكترونيةٍ في اليمن، رخص للعمل بها في عام 2015م –، ما ساعد على تسهيل إجراء المعاملات، وتقليل مخاطر نقل الأموال، وتسريع الخدمات المالية، وتحسين الوصول للخدمات البنكية، ممَّا جعلها تُناسب جميع شرائح المجتمع، وتُلبي احتياجاتهم أينما كانوا سواءً في داخل اليمن أو خارجه.
وهنا يتضح بأن التَّمويل الأصغر هو صُلب عمل بنك الكُرَيْمِي، وبدرجةٍ رئيسية ما جعله يدخل إلى العديد من المناطق اليمنية، وتحديداً ذات المخاطر المُرتفعة، حيث كان النَّاس فيها بسبب الحرب الأهلية، وانعدام المُشتقات النِّفطية على وشك النُّزوح منها؛ فتدخَّل وموَّل بمدخلاتٍ ومستلزمات إنتاجٍ، مما ساهم في عملية استقرارهم في تلك المناطق، وبالتَّالي تحقيقهم نُموَّاً اقتصادياً واستقراراً اجتماعياً، ولديه تجارب وقصص نجاحٍ ممتازةٍ مع العديد من أصحاب المشاريع الصَّغيرة أو الصُّغرى الذين موَّلهم؛ سواءً من فئة الذُّكور أو من الإناث؛ وكيف بدأوا بمستوىً بسيط، ثم توسَّعوا وأصبح لديهم مشاريع كبيرة، وفروعٍ عدَّة، وتوسَّعت أيضاً أعمالهم وأنشطتهم.
وختاماً.. وكتقييمٍ عام لواقع بنوك ومؤسسات التَّمويل الأصغر في اليمن وعلى رأسها تجربة بنك الكُرَيْمِي؛ يمكننا القول أن هذه البنوك والمؤسسات تعد بمثابة أدوات تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية تُسهم في دعم الاقتصاد اليمني، وتُساعد مجتمعه على الصُّمود في ظل الأزمات والحروب، وما بنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي إلا أحد هذه النَّماذج الحيَّة؛ حيث استطاع الجمع بين العمل المصرفي والخدمات المجتمعية، عبر تمويل المشاريع الصَّغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشُّمول المالي، وتسهيل التَّحويلات المصرفية، وتقديم الخدمات الرَّقمية، لتعدُّ بذلك تجربته من أنجح التَّجارب المصرفية اليمنية خلال السَّنوات الأخيرة، ولعدة أسبابٍ، أهمها الانتشار الجغرافي الواسع، والقُدرة على التَّكيف مع الأزمات، وتقديم خدماتٍ ماليةٍ متنوعة، والتَّوسُّع في الخدمات الإلكترونية، والمحافظة على ثقة العملاء؛ ممَّا جعله البنك الأقرب من عامة المجتمع اليمني، بل ووجهته الأولى.
المصادر والمراجع:
- مستجدات الأزمة الاقتصادية في اليمن حتى 2025م – 3 مايو 2025م – (WWW.TAQREEBYE.COM).
- البيان الختامي الصادر عن بعثة صندوق النقد الدولي بشأن مشاورات المادة الرابعة لعام 2025م – 9 أكتوبر 2025م (WWW.IMF.ORG/NEWS/ARTICLES/2025/10/09/IMF-CS-YEMEN-2025-IMF-ARTICLE-IV-MISSION).
- التمويل الأصغر في اليمن: نظرة عامة على التحديات والفرص – مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية - إبريل 2020م – ص18.
- إدارة الدِّراسات والبحوث – القطاع المصرفي اليمني: نمو وتطور رغم الصعاب – مجلة اتحاد المصارف العربية.
- تعزيز دور بنوك التَّمويل الأصغر لتحقيق أثر مستدام في اليمن– مركز صنعاء للدِّراسات الاستراتيجية – 23 سبتمبر 2024م – ص5.
- التَّقارير السَّنوية للصندوق الاجتماعي للتنمية (2009 – 2025م).
- التَّقارير السَّنوية لبنك الكُرَيْمِي للتمويل الأصغر الإسلامي (2010 – 2025م).
- كتاب بنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي.. ثلاثون عاماً من الريادة – قيد الطباعة.
المصدر مجلة اتحاد المصارف العربية