تُجمع المؤسسات المالية والبنوك العالمية على الاحتفاظ بنظرة تفاؤلية بعيدة المدى تجاه الذهب، متوقعةً قفزة سعرية وشيكة قد تصل به إلى مستويات قياسية غير مسبوقة عند 6,000 دولار، وذلك على الرغم من موجة التصحيح والتراجع التي شهدها المعدن النفيس خلال الأسابيع القليلة الماضية.
ويرى المحللون أن الضغوط الحالية الناتجة عن الارتفاع المفاجئ في عوائد السندات الحكومية، وتنامي المخاوف من معدلات التضخم، بالإضافة إلى القوة المستمرة للدولار الأمريكي، ما هي إلا عقبات عابرة وضغوط قصيرة الأجل. وتؤكد التقارير المصرفية أن هذه العوامل لن تؤدي إلى تغيير جذري في المسار الصعودي العام للذهب، بل قد تمهد الطريق لانطلاقة قوية قادمة باعتباره الملاذ الآمن الأبرز.
ورغم أن عددًا من البنوك خفّض توقعاته القريبة نتيجة ضعف الطلب الاستثماري وارتفاع احتمالات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، فإن أغلب المحللين لا يزالون يتوقعون عودة الذهب إلى مسار الصعود خلال 2026، مع تحسن الطلب الاستثماري وتجدد مشتريات البنوك المركزية.
ويأتي هذا التفاؤل في وقت فقد فيه الذهب الفوري نحو 14% من قيمته منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير، إذ أدت الزيادة الحادة في أسعار النفط إلى رفع توقعات التضخم ودفع الأسواق إلى إعادة تسعير احتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية.
بنك جي بي مورغان يخفض التوقعات لكنه يتمسك بهدف 6,000 دولار
قرر بنك جي بي مورغان خفض متوسط توقعه لسعر الذهب خلال 2026 إلى 5,243 دولارًا للأونصة بدلًا من 5,708 دولارات، مبررًا ذلك بتراجع اهتمام المستثمرين بالمعدن النفيس في المدى القصير. وأوضح البنك أن هذا الضعف يظهر في انخفاض أحجام التداول والعقود المفتوحة في بورصة كومكس، إلى جانب محدودية التدفقات إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب.
لكن هذا التعديل لم يغيّر موقف البنك الإيجابي تجاه المعدن الأصفر، إذ لا يزال يتوقع أن ترتفع الأسعار إلى نحو 6,000 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026، مع عودة الطلب بقوة خلال النصف الثاني من العام.
ويرى البنك أن حالة الهدوء الحالية ليست سوى فترة مؤقتة، وأن المستثمرين والبنوك المركزية سيعودون إلى تكثيف مشترياتهم بمجرد انحسار حالة عدم اليقين المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم.
البنك الأسترالي النيوزيلندي يؤجل الهدف ولا يتخلى عنه
خفض بنك أستراليا ونيوزيلندا مستهدفه لسعر الذهب في نهاية 2026 إلى 5,600 دولار للأونصة بدلًا من 5,800 دولار، كما أرجأ توقع وصول الذهب إلى 6,000 دولار حتى منتصف 2027 بدلًا من أوائل ذلك العام.
ويعتقد البنك أن استمرار ارتفاع توقعات التضخم، وزيادة عوائد السندات، وصعود الدولار الأمريكي ستظل عوامل ضاغطة على الذهب في المدى القريب، قبل أن تستعيد الأسعار زخمها مع تباطؤ الاقتصاد العالمي وعودة البنوك المركزية إلى سياسات نقدية أكثر مرونة.
وكان البنك قد تبنى في تقديرات سابقة رؤية أكثر تحفظًا، إذ توقع وصول الذهب إلى 4,400 دولار بنهاية 2026 و4,600 دولار بحلول يونيو من العام نفسه، ما يعكس تغير نظرته مع تطور الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية.
خريطة التوقعات.. من الأكثر تفاؤلًا ومن الأكثر تحفظًا؟
تُظهر تقديرات المؤسسات المالية العالمية تباينًا واضحًا في النظرة إلى أسعار الذهب، لكنها تتفق جميعًا تقريبًا على أن الاتجاه طويل الأجل لا يزال صاعدًا.
يتوقع ويلز فارغو للاستثمار أن يتراوح الذهب بين 6,100 و6,300 دولار للأونصة بنهاية 2026، وهو أعلى تقدير بين المؤسسات الكبرى، بينما رفع بنك يو بي إس أهدافه السعرية إلى 6,200 دولار خلال آجال متعددة في 2026.
أما دويتشه بنك فيتوقع أن يبلغ الذهب 5,500 دولار خلال 2026، في حين ترى سوسيتيه جنرال أن الأسعار قد تصل إلى 6,000 دولار بنهاية العام ذاته. ويطرح مورغان ستانلي سيناريو متفائلًا يصل فيه الذهب إلى 5,700 دولار في النصف الثاني من 2026.
وفي المقابل، تبدو بعض المؤسسات أكثر تحفظًا، إذ يتوقع بنك إتش إس بي سي أن ينهي الذهب عام 2026 قرب 4,450 دولارًا، بينما يتوقع كومرتس بنك وصوله إلى 4,800 دولار في منتصف 2026، ويرى بنك أوف أمريكا أن الذهب مرشح لبلوغ 5,000 دولار خلال العام نفسه.
غولدمان ساكس يراهن على البنوك المركزية
يحافظ بنك غولدمان ساكس على توقعه بوصول الذهب إلى 5,400 دولار للأونصة بنهاية 2026، مستندًا إلى الزيادة المتوقعة في مشتريات البنوك المركزية حول العالم.
ويتوقع محللو البنك أن يرتفع متوسط مشتريات البنوك المركزية إلى 60 طنًا شهريًا خلال العام الحالي، مقارنة بمتوسط 50 طنًا في مارس، وهو ما يعكس تسارعًا واضحًا في وتيرة تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار الأمريكي.
ويرى البنك أن التوترات الجيوسياسية، والتدهور المالي في عدد من الاقتصادات الكبرى، واستمرار الاتجاه العالمي نحو تقليص الاعتماد على الدولار، كلها عوامل تعزز مكانة الذهب كأصل استراتيجي وملاذ آمن.
ماذا تعني هذه التوقعات للمستثمرين؟
تكشف هذه التقديرات أن التراجع الحالي في أسعار الذهب لا يُنظر إليه من قبل المؤسسات الكبرى باعتباره نهاية للاتجاه الصاعد، بل مرحلة تصحيح مؤقتة ضمن دورة ارتفاع أوسع.
فالأسعار تتعرض حاليًا لضغوط ناتجة عن الفائدة المرتفعة وقوة الدولار، لكن العوامل الأساسية التي تدعم الذهب، مثل مشتريات البنوك المركزية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتزايد المخاوف بشأن التضخم والاستقرار المالي، لا تزال قائمة بقوة.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن السباق الحقيقي بين البنوك العالمية لم يعد يدور حول ما إذا كان الذهب سيصل إلى مستويات قياسية جديدة، بل حول توقيت وصوله إلى حاجز 6,000 دولار للأونصة، وهو المستوى الذي بات يتكرر في توقعات عدد متزايد من المؤسسات الدولية الكبرى.
منصة انفستينج