تتعرض البرمجيات السحابية (SaaS) لمخاوف حقيقية نتيجة انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، لكن هذه المخاوف لا تعني "موت" القطاع بقدر ما تعني تحوّلاً جذرياً في نموذج تسعيره وبيع خدماته.
لكن المخاطر أكثر تعقيداً من مجرد القول إن «الذكاء الاصطناعي يقتل البرمجيات». فالتحول الحقيقي يكمن في طبيعة القيمة التي أصبح العملاء مستعدين للدفع مقابلها، إذ تنتقل القيمة بعيداً عن الميزات وعدد تراخيص المستخدمين، لتتركز بصورة متزايدة على النتائج، والبيانات المملوكة حصرياً، وسير العمل المدمج، والمعاملات.
ترخيص المستخدم يثير القلق
لطالما اعتمدت البرمجيات كخدمة على محرك نمو مريح وواضح. فكلما وظّف العميل مزيداً من الموظفين، اشترى مزيداً من تراخيص الاستخدام، ودفع رسوماً أكبر للاشتراك، لكن الذكاء الاصطناعي يطعن في هذه المعادلة، إذ قد يتمكن عدد أقل من الموظفين، بدعم من الوكلاء الأذكياء، من إنجاز حجم العمل نفسه.
وتقدم «هابسبوت» دراسة حالة مفيدة في هذا السياق، فقد نمت إيراداتها في الربع الثاني بنسبة 20%، لكنها خفّضت بشكل طفيف توقعاتها للعام بأكمله، وقالت الإدارة إنها تعمد إلى تغيير منتجاتها وأسعارها ونموذج مبيعاتها لتسهيل تبني الذكاء الاصطناعي.
وقد يسهم ذلك في تسريع التبني، لكنه قد يؤخر نمو الإيرادات في الوقت نفسه. فالسؤال القديم كان: «كم عدد تراخيص المستخدمين؟»، أما السؤال الجديد، بصورة متزايدة، فهو: «ما حجم العمل ذي القيمة الذي يمر عبر المنصة؟».
وتستعد أتلاسيان لهذا التحول. إذ يتيح نموذجها الجديد «فليكس» للعملاء الكبار الالتزام بميزانية محددة، مع إمكانية إعادة توزيع الإنفاق بين تراخيص المستخدمين والتطبيقات واستخدامات الذكاء الاصطناعي.
كما بدأت سيلزفورس في الإبلاغ عن «وحدات العمل القائمة على الوكلاء الأذكياء» بالتوازي مع الانتشار السريع لمنصة «أجنت فورس». وبذلك بدأت وحدة الفوترة نفسها في التطور.
سير العمل هو الميزة التنافسية الجديدة
قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من إعادة إنتاج ميزة برمجية بسرعة مفاجئة. لكن إعادة بناء سنوات من بيانات الشركة، وعمليات التكامل، وصلاحيات الوصول، ومسارات سير العمل، مهمة أكثر صعوبة بكثير.
وهذا الأمر مهم بالنسبة إلى سيرفيس ناو، وساب، وورك داي وسيلزفورس، فهذه الشركات مدمجة في صميم عمليات مهمة تشمل تكنولوجيا المعلومات، والوظائف المالية، والموارد البشرية، وإدارة العملاء، واستبدالها لا يشبه تبديل تطبيق بآخر بقدر ما يشبه إعادة توصيل شبكة كهرباء مبنى بأكمله.
وتشير نتائج الأعمال الأخيرة إلى أن هذه المنصات لا تزال تتمتع بقدرة قوية على تحقيق القيمة. فقد زادت سيرفيس ناو إيرادات الاشتراكات بنحو الربع، وقالت إن منتجاتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تجاوزت مليار دولار من قيمة العقود السنوية.
وأعلنت ساب نمواً بنسبة 26% بأسعار العملة الثابتة في تراكم الطلبات السحابية الحالية. كما واصلت وورك داي نمو إيرادات الاشتراكات، في الوقت الذي رفعت فيه توقعاتها لهامش الربحية.
وتقدم أدوبي وإنويت أدلة مماثلة، فقد قالت أدوبي إن الإيرادات السنوية المتكررة من المنتجات المصممة أولاً للذكاء الاصطناعي زادت بأكثر من ثلاثة أمثالها، ورفعت أهدافها للعام بأكمله في يونيو. كما رفعت إنويت توقعاتها لإيرادات العام بأكمله بعد إعلان نتائجها في مايو.
ولا يعني أي من ذلك أن الشركات القائمة أصبحت بمنأى عن المخاطر، لكنه يشير إلى أن البيانات المملوكة حصرياً وسير العمل المدمج قد يجعلان الذكاء الاصطناعي سبباً لاستخدام المنصة على نطاق أوسع، بدلاً من الاستغناء عنها.
الذكاء الاصطناعي قد يوسّع السوق أيضاً
تقع شوبيفاي وأبلوفين إلى حد ما خارج نطاق البرمجيات كخدمة تقليدية، لكنهما تساعدان في رسم حدود المشهد الجديد.
تحقق شوبيفاي إيراداتها من الاشتراكات، والمدفوعات، ونشاط التجار.
وقد نمت إيرادات الربع الثاني بنسبة 34%، في حين تضاعف ثلاث مرات عدد الزيارات والطلبات التي يقودها الذكاء الاصطناعي إلى متاجر التجار، وإذا ساعد الذكاء الاصطناعي المتسوقين على اكتشاف مزيد من المنتجات وشرائها، فقد تستفيد شوبيفاي حتى لو تراجعت أهمية واجهة البرمجيات التقليدية.
وتوضح أبلوفين جانباً آخر من المخاطر. إذ يعتمد محركها الإعلاني بدرجة كبيرة على جودة نماذج الذكاء الاصطناعي، ولا تزال الإيرادات تنمو بأكثر من 50%، لكن النتائج جاءت أقل بقليل من التوقعات، كما تباطأ التقدم في تطوير نموذج جديد. وعندما يكون الذكاء الاصطناعي نفسه هو مصدر الميزة التنافسية، تصبح القدرة على تنفيذ النماذج وتطويرها مصدراً للمخاطر التجارية.
وهذا التمييز مهم. فقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث اضطراب في الواجهة التي يتعامل معها المستخدم، بينما يعزز في الوقت نفسه المنصة الأساسية التي تقوم عليها الخدمة.
أين يمكن أن يضرب الاضطراب؟
يكمن الخطر الأكبر في البرمجيات التي تحل مهام محدودة، ولا تمتلك قدراً كبيراً من البيانات الفريدة، ويمكن استبدالها بسهولة. وتشمل مؤشرات التحذير ضعف نمو قاعدة العملاء، وتراجع الإيرادات لكل عميل، والاعتماد المتزايد على الخصومات.
ويتمثل الخطر الثاني في التسعير. فالانتقال من نموذج يعتمد على عدد تراخيص المستخدمين إلى نموذج قائم على الاستخدام أو النتائج قد يحسن الاقتصاديات طويلة الأجل، لكن المرحلة الانتقالية قد تبدو مضطربة، ويمكن للمستثمرين مراقبة ما إذا كانت إيرادات الذكاء الاصطناعي تنمو من دون أن يؤدي ذلك بصورة مطردة إلى إضعاف الهوامش أو التدفقات النقدية.
أما الخطر الثالث فهو المنافسة، فالذكاء الاصطناعي يجعل تطوير البرمجيات أسرع وأقل تكلفة، ما قد يمنح العملاء بدائل أكثر، ولذلك يتعين على الشركات القائمة أن تحافظ على قيمة مزاياها المرتبطة بالبيانات، والتوزيع، والتكامل.
دليل المستثمر
ميّز بين الأنظمة التي تدير سير العمل الحيوي والأدوات التي تقتصر مهمتها الأساسية على إضافة ميزات مريحة.
تابع معدلات الاحتفاظ بالعملاء، والإيرادات لكل عميل، واستخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بعدد عمليات إطلاق منتجات الذكاء الاصطناعي.
راقب تغيرات التسعير، فقد تسهم النماذج المرنة في توسيع نطاق التبني، لكنها يجب أن تدعم في نهاية المطاف اقتصاديات أعمال صحية ومستدامة.
نوّع الاستثمارات بين نماذج أعمال مختلفة، بدلاً من التعامل مع شركة برمجيات واحدة باعتبارها القصة الكاملة لاضطراب الذكاء الاصطناعي.
الميزة التنافسية أهم من النموذج
الذكاء الاصطناعي لا يلغي البرمجيات كخدمة، لكنه يلغي الافتراض القائل إن إضافة تراخيص مستخدمين جديدة توفر تلقائياً نمواً مستداماً، وتكشف نتائج موسم الأرباح الحالي عن منافسة أكثر انتقائية، فالمنصات التي تتمتع بسير عمل عميق، وبيانات موثوقة، وشبكات توزيع قوية، تستطيع توظيف الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر فائدة، أما الأدوات الأبسط، فقد تضطر إلى الدفاع عن مبرر استمرار وجودها من الأساس.
ومن ثم، فإن الإشارة الأقوى لا تتمثل في عدد المرات التي تردد فيها إدارات الشركات كلمة «الذكاء الاصطناعي»؛ وهو مقياس يظل، بطبيعة الحال، بلا سقف تقريباً، بل تتمثل في ما يفعله العملاء بعد ذلك: هل يجددون اشتراكاتهم؟ هل يوسعون نطاق استخدامها؟ هل يؤتمتون مزيداً من العمل؟ وهل يدفعون مقابل نتائج قابلة للقياس؟.
وهذه هي أيضاً الطريقة المفيدة للنظر إلى قائمة ساكسو المختصرة لأسهم قطاع البرمجيات، فهذه الشركات تواجه الموجة التكنولوجية نفسها، لكنها تعمل وفق اقتصاديات أعمال مختلفة تماماً، ولن يتعامل الذكاء الاصطناعي معها على قدم المساواة، ولذلك ينبغي ألا يتعامل المستثمرون معها بالطريقة نفسها أيضاً.
روبن دالفوفو- ارم نيوز
أخبار تهمك:
أخبار الشركات والأعمال
https://economics360.net/category.php?id=3
أخبار الجامعات والمدارس
https://economics360.net/category.php?id=10
أخبار اليمن
https://economics360.net/category.php?id=1&sub=28