بغداد تحاصر غسل الأموال بتشديد الرقابة المصرفية على كبار المسؤولين
01 Sep, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
أوعز البنك المركزي العراقي إلى المصارف العامة والخاصة بتطبيق تدابير رقابية صارمة على الحسابات المالية لكبار مسؤولي الدولة وعائلاتهم، ضمن فئة "الأشخاص المعرّضين سياسياً"، في إطار تحركات حكومية متصاعدة لتعقب الأموال غير المشروعة وتدقيق مصادر الثروات ومكافحة الفساد.
وحدد البنك في بيانٍ له أول من أمس، مجموعة من المؤشرات التي يتعيّن على المؤسسات المالية الأخذ بها عند التعامل مع هذه الفئة، من بينها عدم تناسب حجم الثروة أو مصادر الأموال مع الدخل والوضع المالي المعروف للعميل، وإجراء معاملات مالية عالية القيمة أو غير معتادة لا تنسجم مع طبيعة منصبه، على أن تشمل هذه الإجراءات أفراد الأسرة والمقربين والجهات المرتبطة بالمسؤول.
تعزيز إجراءات مكافحة الفساد
تأتي الخطوة ضمن تحركات أوسع للبنك المركزي لتعزيز إجراءات مكافحة الفساد، وهو ما اعتبره عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، منصور البعيجي، خطوةً مهمة، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "حالات تضخم ثروات المسؤولين والسياسيين باتت واضحة".
وأوضح البعيجي أن أهمية الإجراءات الجديدة تكمن في عدم اقتصارها على الحسابات المباشرة للمسؤولين، بل في شمولها رصد التحويلات غير المعتادة وحركة الأموال مع أفراد الأسرة والمقربين، فضلاً عن استخدام الشركات والأطراف الثالثة والهياكل المالية المعقدة التي يمكن اللجوء إليها لإخفاء المستفيد الحقيقي أو مصادر الأموال.
وأضاف أن نجاح هذه الإجراءات سيبقى مرهوناً بجدية التطبيق وقدرة المؤسسات المالية والجهات الرقابية على تبادل المعلومات والوصول إلى المستفيد الحقيقي، لافتاً إلى أن الأموال المتأتية من الفساد لا تتحرك بالضرورة عبر حساب مصرفي مباشر باسم المسؤول، وقد تُوزع على شركات وعقارات أو تُسجل بأسماء أشخاص آخرين.
من جانبه، يرى الخبير المالي مصطفى أكرم حنتوش أن تعليمات البنك المركزي بشأن الأشخاص المعرضين سياسياً تمثل جزءاً من متطلبات تطوير منظومة الامتثال ومكافحة غسل الأموال في العراق، لكنّها تضع المصارف أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الانتقال من معرفة هوية العميل إلى التحقق من مصادر ثروته والمستفيد الحقيقي من الأموال.
وأوضح حنتوش لـ"العربي الجديد" أن تطبيق هذه الإجراءات يتطلب قواعد بيانات مترابطة تتيح للمصارف مقارنة حركة الحسابات بالدخل والممتلكات والنشاط الاقتصادي الحقيقي، لأنّ مراقبة الحساب المصرفي وحده لن تكون كافية في بيئة ما زال فيها جزء كبير من التعاملات يجري نقداً، ويمكن فيها الاحتفاظ بالثروة في العقارات أو الشركات أو تسجيل الأصول بأسماء أطراف أخرى.
وأكد حنتوش أن نجاح هذه الإجراءات سيعزّز ثقة المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الدولية بالنظام المصرفي العراقي، بينما سيبقى أثرها محدوداً إذا لم تقترن بتبادل فعلي للمعلومات بين المصارف والجهات الضريبية والعقارية والرقابية، وبقدرة حقيقية على تتبع الأموال خارج الحسابات المصرفية المباشرة.
كبح الاقتصاد الموازي
من جانب آخر، يربط الباحث الاقتصادي علي عواد بين فاعلية الإجراءات الجديدة وقدرة الدولة على الحد من التشوهات التي تحدثها الأموال غير المشروعة داخل الاقتصاد، موضحاً أن المشكلة لا تكمن في مصدر هذه الأموال فحسب، بل في تأثيرها اللاحق على الأسواق والاستثمار وتوزيع الثروة.
وأوضح عواد لـ"العربي الجديد" أن الأموال المتأتية من الفساد تتجه إلى شراء العقارات والأراضي أو تأسيس الشركات والاستحواذ على الأصول، مما يرفع الأسعار بصورة لا تعكس النشاط الاقتصادي الحقيقي، ويمنح أصحاب هذه الأموال قدرة على منافسة المستثمرين وأصحاب الأعمال ضمن النظام الرسمي.
ولفت إلى أنّ استمرار جزء كبير من التعاملات خارج النظام المصرفي يمنح الأموال المشبوهة مساحة أوسع للحركة وإعادة التدوير، ويحدّ في الوقت نفسه من قدرة الدولة على تتبعها والاستفادة من النشاط الاقتصادي في زيادة الإيرادات وتحسين البيئة الاستثمارية.
وشدد عواد على أهمية تقليص الاعتماد على النقد وتوسيع المدفوعات الإلكترونية والشمول المالي، بالتوازي مع إصلاح النظام الضريبي وتشديد الإفصاح عن الملكية الحقيقية للشركات والأصول والعقارات، وتهيئة حوافز لإدخال الأنشطة والأموال إلى القطاع الرسمي، بما يضيق مساحة الاقتصاد الموازي ويحد من قدرة الأموال غير المشروعة على التحول إلى نفوذ اقتصادي.
وكانت هيئة النزاهة العراقية أعلنت أول من أمس صدور حكم بالسجن سبع سنوات بحق وكيل وزارة النفط علي البهادلي عن جريمة تضخم الأموال والكسب غير المشروع، وصدور حكم آخر بالسجن سبع سنوات بحق النائب طلال الزوبعي عن الجريمة ذاتها. وتأتي هذه الأحكام ضمن حملة أطلقها رئيس الحكومة العراقية بالتنسيق مع مجلس القضاء لاسترداد الأموال المنهوبة والمسروقة من الدولة العراقية.