2026/09/03
الذهب: $4,387.50 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1588 (LIVE)
الأخبار
المصرف الذي لا يراه العميل .. كيف تصنع الحوكمة قيمة اقتصادية؟
مشاهد وأحداث

المصرف الذي لا يراه العميل .. كيف تصنع الحوكمة قيمة اقتصادية؟

02 Sep, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

*بقلم: حمزة الشرعبي

عندما يدخل العميل إلى المصرف، فهو يرى الموظف، والفرع، والشاشة، والصراف الآلي، وربما تطبيقاً أنيقاً على هاتفه.
يرى الحساب الذي فتحه .. والتمويل الذي حصل عليه .. والتحويل الذي أرسله .. لكنه لا يرى شيئاً مهماً يحدث خلف هذه المشاهد كلها.
لا يرى اجتماعاً يناقش مخاطرة .. ولا إدارة ترفض قراراً لأنها ترى فيه خطراً أكبر من العائد .. ولا مدققاً يراجع عملية تمت قبل أشهر .. ولا موظف امتثال يطرح سؤالاً قد يبدو مزعجاً في لحظته .. ولا إدارة مخاطر تقول: «هذه العملية تحتاج إلى إعادة تقييم».
ولا يرى في المصرف الإسلامي هيئة شرعية أو وظيفة رقابة شرعية تسأل سؤالاً مختلفاً ..
هل ما نفعله صحيح مالياً فقط .. أم صحيح أيضاً من الناحية الشرعية؟
كل ذلك يحدث بعيداً عن عين العميل .. لكن المفارقة أن هذه الأشياء التي لا يراها العميل قد تكون هي التي تحدد قيمة المصرف وقدرته على الاستمرار.

ومن هنا يبدأ السؤال .. هل الحوكمة تكلفة يتحملها المصرف؟ أم استثمار لا يستطيع الاستغناء عنه؟
في رأيي، لم يعد هذا السؤال ترفاً إدارياً .. بل أصبح سؤالاً اقتصادياً.
فالمصرف ليس مجرد مكان تتحرك فيه الأموال، وإنما مؤسسة تقوم على الثقة.
والثقة في العمل المصرفي ليست شعاراً تسويقياً؛ إنها أصل اقتصادي حقيقي .. فإذا اهتزت الثقة، تغير سلوك المودع، وتغير قرار المستثمر، وارتفعت تكلفة المخاطر.

لكن .. ما هي الحوكمة؟
لو سألت موظفاً مصرفياً: ما هي الحوكمة؟ .. قد يقول لك ..
سياسات، لجان، صلاحيات، محاضر، موافقات، رقابة، تدقيق وامتثال.
كل ذلك صحيح .. لكنه ليس الصورة الكاملة.
الحوكمة في جوهرها هي الإجابة عن أسئلة أكثر بساطة وأكثر خطورة:
- من يقرر؟
- ولماذا قرر؟
- وبناءً على أي معلومات؟
- ومن يراقب القرار؟
- وماذا يحدث إذا كان القرار خاطئاً؟
- والأهم .. هل توجد داخل المؤسسة جهة تستطيع أن تقول «لا» عندما تكون كلمة «نعم» أكثر راحة؟

هنا تبدأ الحوكمة الحقيقية.
فالحوكمة ليست كثرة التوقيعات على المعاملة .. الحوكمة هي جودة القرار الذي تقف خلفه تلك التوقيعات.

وهل الحوكمة تمنع الأخطاء؟
لا.
الحوكمة الجيدة لا تعني أن المصرف لن يخطئ .. فالمخاطر جزء من النشاط المصرفي.
لكن الفرق بين مصرف وآخر هو:
- كيف يكتشف الخطأ؟
- ومتى يكتشفه؟
- ومن يستطيع إيقافه؟
- وهل يتعلم منه؟
المصرف الناضج لا يبني نظامه على وهم «عدم الخطأ»، بل على اكتشاف الخطأ مبكراً، واحتواء أثره، ومعرفة سببه، ومنع تكراره.
ولكن .. ألا تعني الحوكمة مزيداً من التعقيد؟
هنا يمكن أن نختلف.
لأن كل ما يسمى «حوكمة» ليس بالضرورة حوكمة جيدة .. فقد تتحول إلى بيروقراطية، وقد تتحول كثرة اللجان إلى تعطيل للقرار، وقد تصبح النماذج أكثر أهمية من مضمونها.
وقد نجد معاملة تحمل عشرات التوقيعات .. لكن لا أحد طرح السؤال الصحيح.

لذلك يجب أن نفرق بين:
الحوكمة التي تحمي القرار .. والبيروقراطية التي تؤخر القرار.
والسؤال ليس:
كم توقيعاً لدينا؟
بل ..
هل التوقيع الذي لدينا أضاف قيمة حقيقية إلى القرار؟
ومتى تصبح الحوكمة ذات قيمة اقتصادية؟
عندما تمنع خسارة.
وهذه واحدة من أغرب المفارقات في عالم المصارف.
أحياناً تكون أعظم قيمة صنعتها إدارة المخاطر أو التدقيق أو الامتثال هي خسارة لم تحدث أصلاً.
لن تظهر هذه الخسارة في قائمة الدخل، ولن نجد رقماً يقول: «تم تجنب خسارة بقيمة كذا».
لكنها قد تكون السبب في أن المصرف لم يدخل صفقة غير مناسبة .. أو لم يمنح تمويلاً عالي المخاطر .. أو اكتشف عملية احتيال قبل أن تتضخم .. أو منع خطأ تشغيلياً من التحول إلى أزمة.
وهنا يصبح من الخطأ قياس الحوكمة فقط بما تكلفه.
يجب أن نقيسها أيضاً بما تحميه.
والسؤال الأصعب .. هل الحوكمة عدو الربحية؟
ظاهرياً قد تبدو كذلك.
قد تقول إدارة الأعمال ..
- هذه الإجراءات أخرت إطلاق المنتج.
- وهذا التمويل رُفض.
- وهذه الصفقة احتاجت مراجعة إضافية.
- وهذه العملية لم تمر لأن المخاطر لم تكن مقبولة.
لكن دعونا نسأل بطريقة مختلفة:
هل كل عملية مربحة هي عملية جيدة؟
بالتأكيد لا.
فالربحية وحدها لا تكفي للحكم على القرار المصرفي.
القرار الجيد هو الذي يوازن بين:
العائد .. والمخاطر .. والسيولة .. ورأس المال .. والالتزام .. والاستدامة.
إذن .. الحوكمة لا تحارب الربحية.
هي تحاول أن تجعل الربحية قابلة للاستمرار.
وماذا عن التكنولوجيا؟
المصرف اليوم يستطيع أن يفتح حساباً خلال دقائق، وينفذ تحويلات لحظية، ويستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتعرف على الأنماط غير الطبيعية.
فهل أصبحت التكنولوجيا بديلاً عن الحوكمة؟
العكس تماماً.
كلما أصبح المصرف أكثر ذكاءً تقنياً، أصبح أكثر حاجة إلى حوكمة ذكية.
فالخوارزمية تستطيع اكتشاف نمط .. لكن من يحدد ما إذا كان هذا النمط يمثل خطراً؟
والذكاء الاصطناعي يستطيع اقتراح قرار .. لكن من يتحمل مسؤوليته؟
والنظام يستطيع رفض عملية .. لكن من يراجع منطق الرفض؟
التكنولوجيا ترفع سرعة القرار .. أما الحوكمة فتحدد حدود القرار ومسؤوليته.
ولهذا فإن مستقبل المصرف لن يكون بالضرورة للمصرف الذي يملك أكبر عدد من التقنيات، وإنما للمصرف الذي يستطيع الجمع بين .. (السرعة + الأمان + الثقة)
وفي المصارف الإسلامية .. هناك سؤال إضافي.
هل المنتج والمعاملة وطريقة التنفيذ متوافقة مع أحكام الشريعة التي التزم بها المصرف؟
هنا تصبح الحوكمة الشرعية جزءاً من منظومة الحوكمة المؤسسية، لا وظيفة منفصلة تأتي في نهاية السلسلة.
فإذا تم تصميم المنتج بالكامل ثم اكتُشفت مشكلة شرعية، فقد يكون المصرف قد أنفق وقتاً ومالاً وموارد كبيرة قبل اكتشافها.
أما إذا شاركت الحوكمة الشرعية منذ مرحلة التصميم، فإن الرقابة تصبح وقائية بدلاً من أن تكون مجرد تصحيح لاحق.
وبذلك يصبح السؤال .. هل نراقب المنتج بعد أن يولد؟
أم..
نصنعه بطريقة صحيحة منذ البداية؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الرقابة اللاحقة والحوكمة الوقائية.
ومن المسؤول عن الحوكمة؟
قد تكون الإجابة السريعة: إدارة الحوكمة.
لكنها إجابة ناقصة.
الحوكمة ليست وظيفة يمكن تحميلها لإدارة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، وتمتد إلى المخاطر والامتثال والتدقيق الداخلي، وفي المصارف الإسلامية إلى منظومة الرقابة والحوكمة الشرعية.
لكن هناك عنصراً لا تستطيع أي لائحة أن تفرضه بسهولة:
الثقافة.
لأن المؤسسة قد تمتلك أفضل السياسات في العالم، لكنها ستظل معرضة للخطر إذا كان الموظف يخاف من الإبلاغ، أو إذا كانت الإدارة لا تريد سماع الأخبار السيئة، أو إذا أصبحت النتائج أهم من طريقة تحقيقها.
إذن .. كيف نقيس جودة الحوكمة؟
ليس بعدد اللوائح .. ولا بعدد الاجتماعات .. ولا بعدد التقارير.
بل يمكن أن نسأل ..
- كم قراراً سيئاً تم منعه؟
- كم مخاطرة اكتُشفت مبكراً؟
- كم ملاحظة تحولت إلى تحسين حقيقي؟
- هل يستطيع مسؤول المخاطر الاعتراض؟
- هل يستطيع المدقق أن يقول الحقيقة دون خوف؟
- هل يستطيع الموظف الإبلاغ عن خلل؟
- هل تستطيع الرقابة الشرعية أن تقول «لا» عندما يلزم؟
- وهل تستمع الإدارة فعلاً إلى هذه الأصوات؟
هذه الأسئلة، في رأيي، أكثر أهمية من عدد صفحات دليل الحوكمة.
وفي النهاية .. المصرف الذي لا نراه.
في كل مرة نستخدم فيها خدمة مصرفية، هناك مصرف آخر لا نراه:
- مصرف خلف الشاشات.
- مصرف خلف الأنظمة.
- مصرف خلف إدارة المخاطر.
- مصرف خلف التدقيق والامتثال.
- وفي المصارف الإسلامية، مصرف خلف منظومة الرقابة والحوكمة الشرعية.
هذا هو المصرف الذي لا يراه العميل.
وقد لا يعرف العميل تفاصيل هذه المنظومة .. لكنه يعيش نتائجها كل يوم.
يشعر بها عندما تكون أمواله أكثر أماناً .. وعندما يجد مصرفه قادراً على الاستمرار .. وعندما لا تتحول مشكلة صغيرة إلى أزمة كبيرة.
لذلك ربما حان الوقت لكي نعيد تعريف الحوكمة:
الحوكمة ليست الجهة التي تقف في طريق الأعمال .. إنها الجهة التي تجعل الأعمال قابلة للاستمرار.
وليست وظيفتها أن تمنع المصرف من المخاطرة .. بل أن تمنعه من المخاطرة التي لا يفهمها.
وليست مهمتها أن تقول «لا» دائماً .. بل أن تجعل المؤسسة تعرف:
متى تقول نعم .. ومتى تقول لا .. ولماذا.
وفي عالم مصرفي تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير فيه المخاطر، قد يكون التطبيق الأسرع ميزة .. وقد يكون المنتج الأكثر ابتكاراً ميزة .. لكن الميزة التي تحمي كل هذه الأشياء من الانهيار هي شيء آخر تماماً:
الثقة.
والثقة لا تُبنى بالإعلان .. الثقة تُبنى بالحوكمة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن تسأله المصارف اليوم ليس .. «كم تكلفنا الحوكمة؟»
بل السؤال الأكثر نضجاً ..
«كم تساوي المؤسسة التي تحميها الحوكمة؟»

 * باحث متخصص في الاقتصاد والتدقيق الشرعي والرقابة المصرفية

أخبار تهمك:
أخبار الشركات والأعمال
https://economics360.net/category.php?id=3

أخبار الجامعات والمدارس

https://economics360.net/category.php?id=10

أخبار اليمن

https://economics360.net/category.php?id=1&sub=28