ميناء جبل علي والتصعيد الإقليمي: هل تتراجع المكانة اللوجستية لدبي؟
05 Sep, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
بعد أربعة عقود شكّل خلالها الركيزة الأساسية لتحول دبي إلى مركز لوجستي عالمي، يواجه ميناء جبل علي اليوم اختباراً هو الأصعب في مسيرته جراء التوترات العسكرية بالمنطقة، هذا التصعيد يهدد بشل حركة الميناء بعد تسجيل تراجع غير مسبوق في نشاطه التجاري واللوجستي تجاوز 90%.
وأدى اضطراب حركة السفن في مضيق هرمز إلى خنق النشاط في الميناء، كاشفاً حجم اعتماد اقتصاد الإمارة على منفذ بحري يقع داخل الخليج.
ونقلت صحيفة "فاينانشال تايمز" أمس الخميس، عن مسؤولين في "موانئ دبي العالمية" قولهم إن "أحجام المناولة في جبل علي هبطت بأكثر من 90% خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ولم تسجل منذ ذلك الوقت سوى تعاف محدود".
وتتجاوز أهمية الميناء عمليات الشحن، إذ يجمع ما وصفه الأستاذ المشارك في اقتصاديات التنمية بجامعة أكسفورد عادل مالك بـ"نموذج دبي"، القائم على تكامل الموانئ والتجارة الحرة وحركة رؤوس الأموال والسلع والعمالة.
وقال مالك للصحيفة إن "هذا النموذج أتاح للإمارة بناء اقتصاد كبير غير نفطي"، في وقت ظلت فيه دول أخرى في المنطقة أكثر اعتماداً على عائدات النفط والغاز.
وقال الباحث في دراسات الطاقة بالشرق الأوسط في جامعة رايس جيم كرين للصحيفة إن "دبي كما نعرفها ما كانت لتوجد من دون جبل علي"، مضيفاً أن "أهمية الميناء تصل إلى هذا الحد بالنسبة إلى الإمارة واقتصادها".
أكثر من خمس اقتصاد دبي
تعزز دور الميناء عام 1985 مع إنشاء المنطقة الحرة في جبل علي، التي أتاحت للشركات استيراد المكونات وتصنيع السلع أو تجميعها وإعادة تصديرها ضمن نظام جمركي خاص، وبحسب الموقع الرسمي للمنطقة الحرة، ارتفع عدد الشركات العاملة فيها من 19 شركة عند التأسيس إلى أكثر من 11 ألف شركة من 130 دولة حالياً، بينها أكثر من 100 شركة مدرجة ضمن أكبر 500 شركة عالمية.
وتقدر المنطقة الحرة في جبل علي مساهمتها بأكثر من 21% من الناتج المحلي الإجمالي لدبي، وأظهرت النتائج المالية التي أعلنتها "موانئ دبي العالمية" في 12 مارس/آذار الماضي ارتفاع إيراداتها 22% خلال 2025 إلى 24.4 مليار دولار، فيما قدرت "فاينانشال تايمز" حصة جبل علي بنحو 30% من إيرادات الشركة.
واستقطبت الأصول المرتبطة بجبل علي استثمارات خارجية كبيرة. وأعلنت "موانئ دبي العالمية" وصندوق التقاعد الكندي "كيس دو ديبو إيه بلاسمان دو كيبيك" في يونيو/حزيران 2022 استثماراً بقيمة 5 مليارات دولار في ميناء جبل علي والمنطقة الحرة ومجمع الصناعات الوطنية، وضخ الصندوق 2.5 مليار دولار مقابل حصة تقارب 22%، فيما مول الجزء المتبقي من الصفقة بالديون.
وقبل اندلاع الحرب، كانت محطات الحاويات الأربع في ميناء جبل علي مجهزة بأكثر من 110 رافعات، وتعالج نحو 40 ألف وحدة مكافئة لحاوية بطول 20 قدماً يومياً، بحسب بيانات مؤسسة معلومات الشحن البحري "لويدز ليست"، وتقدر المؤسسة الطاقة السنوية للميناء بنحو 19.3 مليون حاوية نمطية، ما يجعله أكبر مركز لمناولة الحاويات في الشرق الأوسط.
هرمز يخفض حركة السفن
استمرت حركة الملاحة في مضيق هرمز عند مستويات ضعيفة حتى بعد الاتفاق المؤقت المبرم في يونيو/حزيران لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح الممر تدريجياً.
وأظهرت بيانات شركة وساطة وخدمات الشحن البحري "كلاركسونز"، عن الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس/آب 2026، أن عدد السفن العابرة لمضيق هرمز بلغ في المتوسط 17 سفينة يومياً، مقارنة بنحو 135 سفينة يومياً قبل الحرب، بينما أفادت "رويترز" نقلاً عن شركة تحليل بيانات الشحن "كبلر" أن أربع سفن تجارية فقط عبرت المضيق أمس الخميس مقابل متوسط بلغ 15 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة السابقة ونحو 125 سفينة قبل اندلاع الحرب.
وقال إيريك هوبر، المسؤول السابق في "موانئ دبي العالمية" والمحلل في شركة الاستشارات البحرية "دروري"، لصحيفة "فاينانشال تايمز" إن "سيناريو توقف حركة الشحن في الخليج واستئنافها بصورة متكررة يشكل خطراً وجودياً على الإمارة"، مضيفاً أن "ميناء جبل علي كان "عنصراً أساسياً في نمو دبي ونموذج أعمالها".
بدائل خارج المضيق
وأعادت الأزمة طرح سؤال يتعلق بقدرة الإمارات على إنشاء منافذ بديلة خارج مضيق هرمز. وأعلنت "موانئ دبي العالمية"، في 22 يوليو/تموز الماضي، خططاً لبناء محطتين بحريتين في منطقتي الرغيلات ودبا بالفجيرة، بعد توقيع اتفاق امتياز لمدة 50 عاماً مع هيئة ميناء الفجيرة، ومن المقرر إنجاز المشروع خلال فترة تراوح بين 24 و30 شهراً، بطاقة تعادل نحو نصف قدرة جبل علي على مناولة البضائع العامة.
وتتوسع الاستثمارات في الموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز، إذ أعلنت شركة تشغيل الموانئ الإماراتية "غلفتينر"، في 7 يوليو/تموز الماضي، خطة بقيمة ملياري دولار لتوسيع محطة خورفكان وشبكتها اللوجستية، في خطوة ترتبط مباشرة بتعزيز قدرة الإمارات على مواصلة التجارة عند تعطل المضيق، كما أعلنت شركة الشحن البحري الفرنسية "سي إم إيه سي جي إم" ومجموعة الخدمات اللوجستية العمانية "أسياد"، في 29 يونيو/حزيران 2026، استثمار 400 مليون دولار لإنشاء محطة لوجستية متعددة الأغراض في ميناء صحار، بما يعزز موقعه ممراً تجارياً خارج المضيق.
ورغم توافر طاقة إضافية في المنطقة، يبقى تعويض جبل علي صعباً. ونقلت "فاينانشال تايمز" عن مسؤول إماراتي بارز قوله إنه يستحيل "بناء النظام نفسه في الفجيرة"، لأن جبل علي يمتلك شبكة متكاملة من البنية التحتية والخدمات والشركات ووسائل النقل.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة الخدمات اللوجستية "نيبون إكسبرس المملكة المتحدة" ستيف وليامز للصحيفة إن "الجمع بين الخطوط البحرية المرتبطة بجبل علي وقدرات الشحن الجوي وفر لدبي مركزاً فعالاً من حيث التكلفة، تصل إليه السلع بحراً ثم تنقل جواً إلى أسواق أخرى".