النفط يعود إلى اليمن... لكن هل يعود الاقتصاد؟ قراءة تحليلية في معادلة النفط والريال والمالية العامة في اليمن.. مقال تحليلي | سبتمبر 2026
07 Sep, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
ملخص تنفيذي
يتناول هذا المقال إعلان حكومة عدن في يوليو 2026 نيتها استئناف تصدير النفط بعد توقفٍ استمر قرابة أربعة أعوام منذ أكتوبر 2022، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمثّل عودة الصادرات النفطية بداية تعافٍ اقتصادي حقيقي، أم أن المشكلة الهيكلية للاقتصاد اليمني قد تجاوزت مرحلةً يمكن للنفط وحده حلّها؟ بالاعتماد على بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يُظهر التحليل أن الاقتصاد اليمني انكمش للعام الثالث على التوالي بنسبة 1.5٪ في 2024، وسجّل تضخّماً سنوياً بلغ 27٪ في 2024 ومتوسط 28٪ خلال النصف الأول من 2025، كما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1,430 دولاراً في 2014 إلى 469 دولاراً فقط في 2024، أي بانخفاضٍ تراكمي يتجاوز 70٪. في هذا السياق، يخلص المقال إلى أن استئناف تصدير النفط يمثّل شرطاً ضرورياً ولكنه غير كافٍ لإنقاذ الاقتصاد، وأن غياب إصلاح المالية العامة والقطاع المصرفي والإطار المؤسسي قد يحوّل الإيرادات النفطية إلى عامل تأجيل للانهيار لا إلى عامل تعافٍ.
أولاً: السياق الإجمالي للاقتصاد اليمني قبل عودة النفط
انهيار امتدّ عقداً كاملاً
لم يكن توقف صادرات النفط اليمنية في أكتوبر 2022 حدثاً منعزلاً، بل كان امتداداً لانهيارٍ تراكمي بدأ فعلياً مع تصعيد النزاع السياسي في 2014-2015، ووفق تقرير البنك الدولي عن اليمن الصادر في ربيع 2025، فإن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد قد انخفض بنسبة 58٪ منذ 2015، بينما تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها الصادر في فبراير 2026 إلى انكماستٍ تراكميٍّ تجاوز 40٪ خلال العقد الماضي. والأكثر دلالةً هو انهيار نصيب الفرد من الناتج الاسمي من 1,430 دولاراً في 2014 إلى ما لا يتجاوز 469 دولاراً في 2024، وفق ما وثّقه البنك الدولي في ملحق التشخيص القطري (Annex 6) لـ Country Partnership Framework لعام 2025.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تراجعٍ في مؤشرٍ اقتصادي، بل إعادة تشكيلٍ جذريةٍ لطبيعة الاقتصاد اليمني. فاليمن الذي كان قبل 2014 يعتمد على النفط بنسبةٍ تتجاوز 50٪ من إيرادات الموازنة و90٪ من العملة الأجنبية، تحوّل بعد توقف الصادرات النفطية إلى اقتصادٍ يعتمد بشكلٍ غير مسبوقٍ على تحويلات المغتربين، التي قدّرها تقرير ReliefWeb الصادر في نوفمبر 2025 بنحو 7.4 مليار دولار في 2024، أي ما يعادل 38٪ من الناتج المحلي الإجمالي، هذا التحوّل ليس محايداً: فالتحويلات تتدفّق بشكلٍ نقديٍّ مباشرٍ إلى الأسر، ولا تمرّ عبر الخزينة العامة، ما يعني أن تأثيرها على الموازنة العامة يكاد يكون معدوماً، بينما تأثيرها على الاستهلاك وتخفيف الفقر ضخم.
ثلاثة أعوام من الانكماش
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني دخل في مرحلة انكماشٍ ثلاثي، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5٪ في 2024، ثم بنسبة 0.5٪ في 2025 وفق تقديرات صندوق النقد في البيان الصحفي رقم 26/106 الصادر في 3 أبريل 2026. وبمقارنة هذه الأرقام مع ما ورد في تقرير البنك الدولي عن اليمن الصادر في مايو 2026 (Yemen Economics Monitor Spring 2026)، وهنا نلاحظ تبايناً منهجياً مهماً: فالبنك الدولي يقدّر انكماش 2025 بنسبة 1.5٪، أي ثلاثة أضعاف تقدير صندوق النقد. ويُعزى هذا التباين إلى اختلاف نطاق التغطية الجغرافية ومنهجية احتساب الناتج في بيئةٍ موزّعةٍ بين سلطةٍ نقديةٍ في عدن (CBY-Aden) وأخرى في صنعاء، وهي إشكاليةٌ منهجية يجب الانتباه إليها عند الاستشهاد بأيٍّ من الرقمين.
والمؤشر الأكثر إقلالاً هو توقعات 2026. ففي 16 يوليو 2026، أعلن صندوق النقد الدولي في بيانه الصحفي رقم 26/249 عن توصل الحكومة اليمني إلى اتفاقٍ على مستوى الموظفين لبرنامجٍ جديدٍ خاضعٍ للمراقبة (Staff-Monitored Program - SMP). لكن البيان نفسه كان صريحاً في توقعاته: انكماشٌ بنسبة 1.5٪ في 2026، أي العام الخامس على التوالي من التراجع. كما أن استئناف مشاورات المادة الرابعة (Article IV) في مارس 2026 بعد توقفٍ دام 11 عاماً (منذ 2014) يمثّل في حد ذاته مؤشراً على عودة المؤسسات الدولية إلى التعامل الرسمي مع الاقتصاد اليمني، ولكنه أيضاً يكشف حجم التراجع المؤسسي الذي يحتاج إلى معالجةٍ طويلة الأمد.
التضخم: الجرح الأعمق للاقتصاد اليمني
إذا كان الانكماش يقيس تراجع النشاط الإنتاجي، فإن التضخم يقيس تراجع القدرة الشرائية للسكان، وفي حالة اليمن يكون هذا المؤشر أكثر إيلاماً لأنه يصيب شريحةً واسعةً من السكان تعتمد على دخلٍ ثابتٍ بالريال اليمني. ووفق بيانات صندوق النقد الدولي في البيان الختامي لبعثة المادة الرابعة في 9 أكتوبر 2025، بلغ معدل التضخم السنوي في اليمن 27٪ في 2024، وتجاوز 35٪ على أساسٍ سنويٍّ في يوليو 2025. كما أكّد تقرير الموظفين الصادر في 3 أبريل 2026 أن التضخم قد بلغ متوسط 28٪ خلال النصف الأول من 2025، ثم استقر عند 21.4٪ كمعدلٍ سنويٍّ نهائيٍّ لعام 2025، وهو ما يقل قليلاً عن توقعات الموظفين البالغة 24.3٪.
ويربط صندوق النقد الدولي بين هذا التضخم وتراجع قيمة الريال اليمني بنسبة 30٪. وقد وثّق البنك الدولي في تقريره الصادر في نوفمبر 2025 (Yemen Economic Monitor November 2025) وصول سعر الصرف في سوق عدن إلى مستوى قياسي بلغ 2,905 ريالاً للدولار في منتصف يوليو 2025، قبل أن يتدخل البنك المركزي بإجراءات استقرارٍ في أغسطس 2025 ويعيد الريال إلى مستوى 1,676 ريالاً للدولار بحلول أوائل أغسطس، ثم يستقر حول 1,615-1,624 ريالاً في نوفمبر وديسمبر 2025. أما سعر الصرف في نهاية 2024 فقد كان 2,065 ريالاً، مقارنةً بنحو 1,540 ريالاً في نوفمبر 2023، وفق ما وثّقته تقارير البنك الدولي. هذا الانخفاض التراكمي في قيمة العملة لا يعكس مجرد ضغطٍ نقدي، بل انهياراً تدريجياً في الثقة بالعملة الوطنية وفي قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية في بيئةٍ منقسمةٍ مؤسسياً.
توقف الصادرات النفطية: الخسارة المتراكمة
من الإنتاج إلى التوقف
بدأ توقف الصادرات النفطية اليمنية في 18-19 أكتوبر 2022، بعد هجوم استهدف محطة النشيمة النفطية في ميناء الضبة بمحافظة حضرموت، وفق ما وثّقه معهد الشرق الأوسط (MEI) في تقريرٍ صادرٍ في ديسمبر 2022.
وقد أدى هذا الحدث، تلاه استهدافٌ لموانئ نفطية أخرى، إلى وقفٍ شبه كاملٍ لصادرات النفط اليمني من المناطق الجنوبية، وهذه الهجمات مثّلت تحولاً استراتيجياً في طبيعة النزاع، إذ حوّلت النفط من مصدرٍ للإيراد إلى ورقةٍ سياسيةٍ بيد أطراف النزاع.
وحسب ما نقلته الجزيرة نت في 23 يوليو 2026 عن تقديرات صندوق النقد الدولي، انخفض الإنتاج النفطي اليمني من ذروةٍ تاريخيةٍ بلغت نحو 439,000 برميل يومياً في بداية الألفية، إلى ما لا يتجاوز 19,000 برميل يومياً في 2024 (بما في ذلك النفط الخام وسوائل الغاز LPG).
وتشير تقديرات S&P Global المنقولة في المصدر نفسه إلى أن الإنتاج الفعلي قد يكون أقل من ذلك، في حدود 7,000 إلى 10,000 برميل يومياً. أياً كان الرقم الدقيق، فإن المعنى واضح: الاقتصاد اليمني يعمل حالياً بأقل من 5٪ من طاقته النفطية التاريخية، بعدما كان النفط يمثّل أكثر من نصف إيرادات الموازنة و90٪ من تدفّقات العملة الأجنبية.
الأثر المالي والعجز المتراكم
وثّق البنك الدولي في تقريره ربيع 2025 الأثر المالي لهذا التوقف بشكلٍ دقيق. فإيرادات المناطق الجنوبية لليمن باستثناء المنح الخارجية، لم تتجاوز 2.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مقارنةً بـ 7.2٪ في 2023، أي تراجعاً بنسبةٍ تقارب 65٪ في غضون عامٍ واحد، وقد ساعدت المنح الخارجية في تخفيف جزءٍ من هذا العجز، إذ ارتفعت من 1.1٪ إلى 1.5٪ من الناتج المحلي، لكنها لم تكن كافيةً لتعويض فقدان الإيرادات النفطية، فبقي العجز الكلي عند 2.5٪ من الناتج في 2024.
اللافت هنا أن البنك المركزي اليمني في عدن لجأ إلى تمويلٍ مباشرٍ من ذاته لسد العجز، وطبقاً لتقاريره الشهرية (يناير وديسمبر 2025)، ارتفع الاقتراض المباشر من البنك المركزي من 6,471.4 مليار ريال في يناير 2025 إلى 7,809.4 مليار ريال في ديسمبر 2025، أي بزيادةٍ تفوق 20٪ خلال عامٍ واحد. وقد بلغت حصة هذا التمويل من إجمالي التمويل المحلي 90.8٪ في ديسمبر 2025، ما يعني أن الحكومة تُدير عجزها بشكلٍ شبه كاملٍ عبر طباعةٍ نقديّةٍ من البنك المركزي، وهي ممارسةٌ تشرح جزءاً كبيراً من التضخم المرتفع وتدهور قيمة الريال.
جدول مقارن: تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي
قبل الانتقال إلى تحليل معادلة النفط والريال، يجدر الوقوف عند مقارنةٍ منهجيةٍ بين أبرز تقديرين دوليين للاقتصاد اليمني: تقديرات صندوق النقد الدولي (وفق سلسلة تقارير Article IV لعام 2025 الصادرة في أكتوبر 2025 وأبريل 2026 وبروتوكول SMP في يوليو 2026) وتقديرات البنك الدولي (وفق سلسلة Yemen Economic Monitor الصادرة في يونيو 2025 ونوفمبر 2025 ومايو 2026). يكشف الجدول التالي عن تبايناتٍ جوهرية بين المؤسستين في قراءة الواقع الاقتصادي اليمني، وهو ما وجب لفت القارئ المتخصص الانتباه إليه عند الاستشهاد بأيٍّ من الأرقام.
ملاحظة منهجية: يلاحظ تباينٌ بين تقديرات IMF وWorld Bank لسنة 2025، إذ يقدّم IMF رقم −0.5٪ (أقل تشاؤماً)، بينما يقدّمه البنك الدولي عند −1.5٪. ويعود التباين إلى اختلاف نطاق التغطية الجغرافية ومنهجية احتساب الناتج في بيئة موزّعة بين سلطة نقدية في عدن وأخرى في صنعاء. الرمز "—" يعني عدم توفّر البيانات في المصدر المعني.
أبرز ما يكشفه الجدول هو التباين في تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعام 2025: فبينما يقدّمه صندوق النقد الدولي عند −0.5٪ في بيانه الصحفي رقم 26/106 الصادر في 3 أبريل 2026، يقدّمه البنك الدولي في تقرير Yemen Economic Monitor الصادر في 21 مايو 2026 عند −1.5٪، أي ثلاثة أضعاف تقدير صندوق النقد. ويعكس هذا التباين إشكاليةً منهجيةً جوهرية في حساب الناتج في بيئةٍ موزّعةٍ بين سلطةٍ نقديةٍ في عدن وأخرى في صنعاء، حيث يختلف المصدر في تحديد نطاق التغطية الجغرافية، وأسعار الصرف المستخدمة في التحويل، وأساليب استثناء الأنشطة غير الرسمية. كما أن البنك الدولي يُدخل في تقديراته أيضاً التأثير الكامل لانهيار سعر الصرف الذي بلغ ذروته في يوليو 2025، بينما يميل صندوق النقد إلى التركيز على متوسطاتٍ أقل تشاؤماً.
إعلان استئناف التصدير: حدود الحدث ومحدّداته
ما الذي أُعلن فعلياً؟
في 20 يوليو 2026، تم الإعلان عن خططٍ لاستئناف تصدير النفط بعد توقفٍ دام قرابة أربعة أعوام. وفي 23 يوليو 2026، نشرت الجزيرة نت تحليلاً تناول هذا الإعلان وأشارت إلى وجود مخزوناتٍ جاهزةٍ للتصدير. غير أن المقال يجب أن يكون دقيقاً في توصيف هذا الحدث: فهو إعلانٌ عن نيةٍ وخطط، وليس تأكيداً ببدء تصديرٍ فعليٍّ بحجمٍ مُحدّدٍ. وحتى تاريخ إعداد هذا المقال في سبتمبر 2026، لم تُنشر بياناتٌ رسميةٌ موثوقةٌ تؤكد كميات النفط المُصدّرة فعلاً أو عائداتها الفعلية.
استئناف التصدير النفطي حدثٌ مهم، لكنه ليس حلاً سحرياً. فالاقتصاد اليمني يحتاج إلى إصلاحٍ هيكليٍّ يمسّ المالية العامة والقطاع المصرفي والإطار المؤسسي، وإلا تحوّلت الإيرادات النفطية إلى مسكّنٍ مؤقتٍ لا إلى علاجٍ جذري.
خمسة محدّدات يجب مراقبتها
أولاً، البيئة الأمنية: فالهجمات التي طالت الموانئ النفطية في أكتوبر 2022 لم تتوقف بالكامل، وما زالت توترات البحر الأحمر وأمن الملاحة تشكّل خطراً على عمليات التصدير. وقد رصدت رويترز في 12 أغسطس 2026 أن هجمات على الملاحة البحرية قد أسهمت في رفع أسعار النفط عالمياً، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة الوضع الأمني للموانئ اليمنية.
ثانياً، آلية إدارة الإيرادات. أشار إعلان يوليو 2026 إلى أن العائدات ستُحوّل إلى البنك المركزي اليمني في عدن. وهذا شرطٌ جوهريٌّ لضمان وصول الإيرادات إلى الخزينة العامة بدلاً من تكرار تجارب سابقةٍ شوّهتها حساباتٌ موازية أو خصوماتٌ غير شفافة.
ثالثاً، شفافية الكميات والأسعار. فلا بدّ من نشرٍ دوريٍّ مستقلٍّ لأحجام الإنتاج والتصدير وأسعار البيع، حتى يمكن للرأي العام وللمؤسسات الدولية متابعة أثرها الفعلي على الموازنة.
رابعاً، الإطار المؤسسي لصرف الإيرادات. أحد أهم دروس اقتصادات الريع هو أن الإيراد النفطي بلا إطارٍ مؤسسيٍّ شفّافٍ يتحوّل إلى أداةٍ سياسيةٍ أكثر منه اقتصادية.
وخامساً، التوافق السياسي الداخلي. فاستئناف التصدير في بيئةٍ سياسيةٍ منقسمةٍ قد يتحوّل إلى شرارةٍ لمزيدٍ من التوتر إذا لم يُحسَم مسبقاً توزيع الإيرادات بصيغةٍ توافقية. والاتفاق على برنامج SMP مع صندوق النقد الدولي في 16 يوليو 2026 يوفّر إطاراً فنياً مفيداً، لكنه لا يُغني عن التوافق السياسي الذي يبقى الشرط السياسي الأعمق لنجاح الإصلاح.
معادلة النفط والريال والمالية العامة
قناة الإيرادات: من النفط إلى الموازنة
يبدأ الأثر الاقتصادي لاستئناف التصدير بقناة الإيرادات. فإذا افترضنا أن اليمن يستطيع تصدير 50,000 برميل يومياً (وهو توقعٌ متفائل) عند سعر خام برنت البالغ نحو 96 دولاراً للبرميل في سبتمبر 2026 وفق بيانات TradingEconomics وبلومبرغ، فإن الإيرادات الإجمالية المتوقّعة ستصل إلى نحو 4.8 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب 1.75 مليار دولار سنوياً، قبل خصم تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين المرتفعة في بيئةٍ صراعية. صافي الإيرادات قد يتراوح بين 800 مليون و1.2 مليار دولار سنوياً، وهو رقمٌ كبيرٌ مقارنةً بإيرادات IRG الحالية، ولكنه يبقى متواضعاً مقارنةً بحجم الانهيار المتراكم.
إذا أُحسنت إدارة هذه الإيرادات، يمكن أن تخفّف العجز المالي من 2.5٪ من الناتج إلى ما يقارب التوازن، وتقلّل الحاجة إلى التمويل بالطباعة النقدية من البنك المركزي، وهي القناة الرئيسية للتضخم. كما يمكن استخدام جزءٍ من الإيرادات لسداد المتأخرات في رواتب الموظفين، خصوصاً في القطاعين العام والتعليم، وهو ما يدعم الطلب الكلي بشكلٍ غير تضخمي. غير أن هذا السيناريو يفترض وصول الإيرادات فعلياً إلى الخزينة العامة، وهو ما يتطلّب إطاراً محاسبياً موثوقاً.
قناة سعر الصرف: من العملة الأجنبية إلى الريال
القناة الثانية هي قناة سعر الصرف، فتدفّقات النفط بالعملة الأجنبية تُحسّن عرض النقد الأجنبي في السوق، ما يخفّف الضغط على الريال اليمني، وإذا افترضنا أن نصف الإيرادات النفطية تدخل السوق عبر البنك المركزي لتمويل الواردات والاحتياطيات، فإن ذلك يضخّ ما بين 400 و600 مليون دولار سنوياً إضافية في السوق، وهو ما قد يثبّت سعر الصرف أو يقلّل وتيرة تدهوره. لكن هذه القناة لا تعمل بمعزلٍ عن التوقّعات: فإذا توقّع السوق أن الإيرادات ستُدار بشكلٍ غير شفّاف، فقد يبقى الطلب على الدولار مرتفعاً للأغراض الوقائية، ويستمر الريال في التراجع رغم تدفّق النفط.
والمثال الأبلغ على هذه الديناميكية هو ما رصدته تقارير البنك الدولي ومنظمات الإغاثة الدولية في كلا سوقي الصرف اليمنيين خلال الفترة 2023-2025. فالرسم البياني أدناه يوثّق تطوّر سعر صرف الريال مقابل الدولار في كل من صنعاء (الشمال) وعدن (الجنوب)، وهو يكشف عن ظاهرةٍ فريدةٍ في الاقتصاد اليمني: وجود فجوةٍ هائلةٍ بلغت ذروتها 5.4 أضعاف في منتصف يوليو 2025، عندما بلغ الريال في عدن 2,905 ريالاً للدولار، بينما ظلّ في صنعاء عند 534 ريالاً فقط.
اللافت في هذا الرسم البياني ليس فقط التباين بين السوقين، بل طبيعة كل مسار، فبينما شهدت عدن تقلباتٍ حادةً ارتفعت من 1,540 ريالاً في نوفمبر 2023 إلى ذروةٍ تاريخيةٍ بلغت 2,905 ريالاً في يوليو 2025 (بفعل توقف الصادرات النفطية وتمويل العجز بالطباعة النقدية)، ثم تعافت بشكلٍ ملحوظٍ إلى 1,676 ريالاً في أغسطس 2025 بعد إجراءات استقرار البنك المركزي وودائعٍ خارجية، استقرّت عند 1,615-1,624 ريالاً في أواخر 2025. أما صنعاء فقد ظهرت في الرسم كخطٍّ شبه أفقي، حيث ظلّ سعر الصرف محصوراً في نطاقٍ ضيقٍ جداً (530-540 ريالاً للدولار) طوال الفترة، مدفوعاً بضوابط إدارية صارمة فرضها البنك المركزي بصنعاء، وليس بقوةٍ اقتصاديةٍ فعلية، هذا "الاستقرار الاسمي" في صنعاء هو في حقيقته إخفاءٌ للتوترات الاقتصادية الكامنة، لا انعكاسٌ لصحّةٍ هيكلية.
قناة التضخم: من الريال إلى الأسعار
القناة الثالثة هي قناة التضخم، وهي الأكثر تأثيراً مباشراً على المواطن اليمني، كما يصفه البنك الدولي، بلدٌ يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على استيراد السلع الأساسية (الغذاء والوقود)، ما يجعل سعر الصرف المتغيّر الأول للتضخم. أي تحسّنٍ في قيمة الريال ينعكس مباشرةً على أسعار السلع المستوردة، وخصوصاً القمح والأرز والسكر والوقود، وعليه، فإن استئناف تصدير النفط، عبر تحسين سعر الصرف، يمكن أن يخفّض التضخم من مستوياته الحالية (21-28٪) إلى مستويات أدنى، ربما في حدود 15-18٪ خلال عامٍ واحدٍ إذا استمرت الإيرادات بانتظام. هذا الانخفاض، وإن بدا متواضعاً من الناحية الاسمية، إلا أنه يعني تحسّناً ملموساً في القوة الشرائية للأسر اليمنية، خاصةً تلك التي تعتمد على دخلٍ ثابتٍ بالريال.
الانقسام النقدي: اقتصادٌ واحدٌ بعملتين
لا يمكن قراءة معادلة النفط والريال بمعزلٍ عن الانقسام النقدي والمصرفي بين عدن وصنعاء، فهذا الانقسام ليس مجرد تفصيلٍ مؤسسي، بل سمةٌ هيكليةٌ تحدّد مسبقاً أي تأثيرٍ محتملٍ لإيرادات النفط. فمنذ عام 2017، أصبح اليمن فعلياً يتعامل مع بنكين مركزيين متنافسين: البنك المركزي اليمني في عدن، والبنك المركزي الموازي في صنعاء، وكلٌّ منهما يُصدر سياساتٍ نقديةً مستقلة، ويتحكّم في قطاعٍ مصرفيٍّ جغرافيٍّ مختلف، ويتعامل مع عملاتٍ ورقيةٍ متباينةٍ في التداول. هذا الوضع، الذي يصفه مركز صنعاء للدراسات بأنه "حربٌ نقدية"، يُربك آلية انتقال السياسة النقدية ويعقّد إدارة السيولة على المستوى الوطني.
الجذور التاريخية للانقسام
تعود جذور الانقسام النقدي الحالي إلى يناير 2017، عندما استلم البنك المركزي في عدن أول طلبيةٍ من الأوراق النقدية الجديدة المطبوعة في روسيا، بقيمة 200 مليار ريال. وقد رفضت صنعاء الاعتراف بهذه الأوراق، ثم في نهاية 2019 أصدرت حظراً صريحاً على تداولها في المناطق الخارجة عن سيطرتها، ما أدى فعلياً إلى تقسيم اليمن إلى سوقين نقديين منفصلين. ومع مرور الوقت، تراكمت الأوراق النقدية القديمة (ما قبل 2017) في الشمال، بينما هيمنت الأوراق الجديدة في الجنوب، ما خلق عملياً عملتين متباينتين في القوة الشرائية داخل البلد الواحد.
فجوة سعر الصرف: أرقامٌ تكشف الحقيقة
الجدول التالي يلخّص الفجوة في سعر الصرف بين السوقين عبر محطاتٍ زمنيةٍ موثقةٍ من تقارير البنك الدولي و ReliefWeb و South24، وهي تكشف عن حقيقةٍ اقتصاديةٍ استثنائية: وجود فجوةٍ بلغت ذروتها 5.4 أضعاف في منتصف يوليو 2025، أي أن الريال في صنعاء كان "أقوى" 5.4 مرة من الريال في عدن، ومع استقرار سعر الصرف في عدن بعد أغسطس 2025، عادت الفجوة إلى نطاق 3 أضعاف، وهو ما يبقى رقماً استثنائياً يعكس وجود عملتين فعليتين لا عملةً واحدة.
المصادر: البنك الدولي (YEM Spring 2025, November 2025, Spring 2026)؛ ReliefWeb (Yemen Market & Trade Bulletins, Feb/Jun/Oct 2025)؛ South24 News (NID 4577, 4712, 4771, 4808)؛ CBY-Aden Monthly Report December 2025؛ Yemen Monitor.
آليتان مختلفتان للاستقرار
السؤال الجوهري هنا ليس فقط حجم الفجوة، بل طبيعة آليات الاستقرار في كل سوق. ففي صنعاء، يعتمد الاستقرار الاسمي على ضوابط إدارية صارمة على سعر الصرف وعلى أسعار المواد الغذائية الأساسية، وفق ما وثّقته ReliefWeb في ديسمبر 2024. هذه الضوابط قد تكون فعّالةً في المدى القصير لإبقاء الأسعار عند مستوىً معيّن، لكنها تخلق تشوّهاتٍ اقتصاديةً خطيرةً في المدى المتوسط، أبرزها: ظهور سوقٍ سوداءٍ للنقد الأجنبي، تقلّص عرض السلع المستوردة، وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور في القطاع الرسمي.
أما في عدن، فتعتمد آلية الاستقرار على مجموعةٍ من الأدوات الكلاسيكية: مزادات النقد الأجنبي التي ينظّمها البنك المركزي، الودائع الخارجية (وخاصةً الوديعة السعودية البالغة مليار دولار في فبراير 2023)، تعويم الريال في أغسطس 2024 لتقليل المراجحة النقدية بين السوقين، إجراءات استقرارٍ في أغسطس 2025 أعادت الريال من 2,905 إلى 1,676، وأخيراً إجبار البنوك على نقل عملياتها من صنعاء إلى عدن، وهي إجراءاتٌ وثّقها البنك الدولي في تقريره الصادر في نوفمبر 2025. ومع ذلك، تبقى هذه الآليات هشّةً لأنها تعتمد على تدفّقاتٍ خارجيةٍ وليس على إيراداتٍ إنتاجية، وهو ما يجعلها عرضةً للتوقف إذا توقّف الدعم الإقليمي.
الأثر المحتمل لإيرادات النفط على الانقسام
منطقياً، يُفترض أن تدفّق إيرادات نفطيةٍ عبر البنك المركزي في عدن سيُقلّل الفجوة بين السوقين، عبر تحسين عرض النقد الأجنبي في الجنوب وتقوية موقف الريال في عدن. غير أن التأثير الفعلي على المناطق الشمالية سيكون محدوداً أو متأخراً لأسبابٍ ثلاثة:
أولاً، الإيرادات النفطية ستذهب إلى البنك المركزي بعدن، والذي بدوره لا يمارس أي سلطةً فعليةً على المناطق الشمالية.
ثانياً، استمرار الحظر على الأوراق النقدية المطبوعة في عدن يعني أن أي تحسّنٍ في قيمة الريال الجنوبي لن ينعكس تلقائياً على الريال الشمالي.
ثالثاً، الضوابط الإدارية الصارمة في صنعاء ستبقي سعر الصرف عند مستوياته الاسمية، بمعزلٍ عن أي تحسّنٍ في السوق الموازية.
الأخطر من ذلك، أن إيرادات النفط قد تُعمّق الانقسام بدلاً من معالجته، إذا استُخدمت كأداةٍ سياسيةٍ لتعزيز موقف طرفٍ على حساب الآخر، لذا، فإن أي تصورٍ جادٍّ لاستئناف تصدير النفط يجب أن يرافقه توافقٌ سياسيٌّ على آليةٍ عادلةٍ لتوزيع الإيرادات، تشمل على الأقل ضمان تدفّقٍ جزئيٍّ للعملة الأجنبية إلى البنك المركزي في صنعاء، أو إنشاء صندوقٍ سياديٍّ مشتركٍ بإدارةٍ مستقلة، بدون ذلك، فإن النفط سيكون عامل تقسيمٍ لا عامل وحدة، وسيُكرّر مأسسة الانقسام النقدي بدلاً من معالجتها.
والثقة في النظام المصرفي، التي تتآكل منذ سنوات، لا يمكن استعادتها بمجرد عودة النفط، بل تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً شاملاً، يشمل تعزيز استقلالية البنك المركزي، وتطوير أدوات السياسة النقدية، وإعادة هيكلة البنوك التجارية المتعثرة، وهي إصلاحاتٌ تجاوزها اتفاق صندوق النقد الدولي على برنامج SMP في يوليو 2026. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل ستُترجم هذه الإصلاحات إلى ممارساتٍ فعليةٍ على الأرض، أم ستبقى مجرد التزاماتٍ ورقيةٍ لا تجد طريقها إلى الواقع المؤسسي اليمني المنقسم؟
مخاطر العودة إلى اقتصاد الريع
متلازمة المرض الهولندي بصيغةٍ يمنية
أحد المخاطر الجوهرية لاستئناف تصدير النفط هو العودة إلى نمط الاقتصاد الريعي الذي ميز اليمن قبل 2014. فقبل الأزمة، كانت الإيرادات النفطية تُغرق السوق المحلي بالعملة الأجنبية، فتُضعف تنافسية القطاعات الإنتاجية غير النفطية (الزراعة، الصناعة الخفيفة، الخدمات) عبر رفع قيمة العملة المحلية، وتُصيب الاقتصاد بما يُعرف بـ"المرض الهولندي". وفي حالة اليمن الحالية، يُضاف إلى هذا الخطر عاملاً أن الإيرادات النفطية ستأتي في بيئةٍ اقتصاديةٍ منهكةٍ ومؤسسياً منقسمة، ما يضاعف خطر تحوّلها إلى ورقةٍ سياسيةٍ أكثر منها أداة إصلاحٍ اقتصادي.
خطر تحوّل النفط إلى بديلٍ عن الإصلاح
الخطر الأعمق هو أن يتحوّل عائد النفط إلى "مسكّن" يؤجّل القيام بالإصلاحات الهيكلية الضرورية: إصلاح المالية العامة، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، توحيد السياسة النقدية، تطوير القطاع الضريبي، وتمكين القطاع الخاص. فوجود إيراداتٍ نفطيةٍ مفاجئةٍ قد يُضعف الزخم السياسي للإصلاح، ويُقنع صنّاع القرار بأن المشكلة المالية قد حُلّت، بينما الحقيقة هي أنها أُرجئت فقط. تاريخياً، شهدت عدة اقتصاداتٍ نفطيةٍ ناشئة (مثل نيجيريا وفنزويلا والعراق) تجارب مماثلة، انتهت جميعها بتراجعٍ في المؤشرات الإنسانية رغم زيادة الإيرادات النفطية.
الشروط الأربعة لتحويل النفط إلى أساسٍ للتعافي
بناءً على تحليل بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يمكن صياغة أربعة شروطٍ تحوّل عائد النفط من "إيراد طارئ" إلى "أساسٍ لبرنامج استقرارٍ اقتصادي".
الشرط الأول: إيداع الإيرادات في حسابٍ خاصٍّ وخاضعٍ للتدقيق الخارجيّ في البنك المركزي، مع نشرٍ شهريٍّ للبيانات.
الشرط الثاني: تخصيص ما لا يقل عن 70٪ من الإيرادات لتمويل العجز المالي وسداد المتأخرات، و30٪ لاحتياطيٍّ سياديٍّ يُستثمر في أصولٍ بالعملة الأجنبية.
الشرط الثالث: ربط الإصلاح النفطي ببرنامج SMP مع صندوق النقد، الذي يوفّر إطاراً فنياً للمتابعة والمراجعة.
الشرط الرابع: التوافق السياسي الداخلي على صيغةٍ عادلةٍ لتوزيع الإيرادات، تجنّباً لتحوّل النفط إلى شرارةٍ صراعيةٍ جديدة.
اخيراً... سؤال الجوهر لا سؤال الخبر
مقالنا ينتهي الى نتيجة لا تخلو من حس نقدي: فاستئناف تصدير النفط اليمني حدثٌ مهمٌّ بلا شك، لكنه ليس الحل. فالاقتصاد اليمني الذي انكمش للعام الثالث على التوالي، ويعاني تضخماً يتجاوز 21٪، ويَرزح تحت انهيارٍ تراكميٍّ بلغ 58٪ في الناتج الحقيقي للفرد منذ 2015، يحتاج إلى أكثر من عودة النفط لكي يتعافى. يحتاج إلى إصلاحٍ هيكليٍّ للمالية العامة يوقف تمويل العجز بالطباعة النقدية. يحتاج إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة في العملة الوطنية. يحتاج إلى توحيد السياسة النقدية بين السلطتين النقديتين المتنافستين. يحتاج إلى تطوير القطاع الضريبي وتنويع الإيرادات بعيداً عن النفط. ويحتاج، قبل كل ذلك، إلى توافقٍ سياسيٍّ يضع المصلحة العامة فوق حسابات القوى المتنازعة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح، إذن، ليس: هل سيعود النفط؟ بل: هل سيعود الاقتصاد؟ والإجابة على السؤال الثاني لا تتوقف على حجم الإنتاج النفطي، بل على حجم الإصلاح المؤسسي والمالي والنقدي الذي سيصاحبه والذي يجب ان يكون، فالنفط وحده لا ينقذ اقتصاداً، بل يكشف عن حالته الحقيقية. فإن كان الإطار المؤسسي قوياً، يكون النفط دعماً؛ وإن كان ضعيفاً، يكون النفط تأجيلاً لانهيارٍ قادمٍ، لا علاجاً لانهيارٍ راسخ.
عرض وتحليل
أ/ أسامة محمد الشوخي
خبير مصرفي - باحث وكاتب في
التحول الرقمي المصرفي والشمول المالي
فريق التحرير والدعمنرد في أقرب وقت عادةً
مرحباً بك في الاقتصاد 360، هل لديك خبر تود نشره أو استفسار؟