*عبدالحكيم محمد الفقيه
هناك سؤال أصبح يراودني كلما تعرفت إلى شخص يملك خبرة حقيقية في مجاله، لماذا يبقى بعض الخبراء مجهولين رغم سنوات طويلة من العمل، بينما يحقق آخرون حضوراً واسعاً وفرصاً كبيرة، مع أن خبرتهم قد لا تكون أكبر؟
منذ فترة التقيت بأحد أصحاب المشاريع. كان يتحدث بثقة عن جودة خدماته، وأكد أنه أمضى أكثر من خمسة عشر عاماً في هذا المجال. أثناء حديثنا طلبت منه شيئاً بسيطاً، قلت له: دعني أبحث عن اسمك على الإنترنت.
أخرجت هاتفي وكتبت اسمه في محرك البحث، ظهرت نتائج متفرقة لا تعبر عنه، ولم أجد مقالاً يحمل اسمه، ولا لقاءً، ولا رأياً مهنياً، ولا حتى محتوى يوضح للناس ماذا يقدم. أغلقت الهاتف ونظرت إليه وقلت مبتسماً: لو كنت عميلاً يبحث عن شخص يثق به، فكيف سأطمئن إليك وأنا لا أجد لك أثراً؟
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال والله لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
وهنا تكمن المشكلة التي يقع فيها كثير من أصحاب الخبرات. يقضون سنوات في التعلم والعمل، لكنهم يتركون قصتهم حبيسة مكاتبهم، بينما أصبحت شبكة الإنترنت اليوم هي المكان الأول الذي يذهب إليه الناس قبل اتخاذ أي قرار.
العميل لا يبحث عن رقم هاتفك أولاً، بل يبحث عن اسمك. والشريك لا يسأل عن عنوان مكتبك قبل أن يكتب اسمك في محرك البحث ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى جهة التوظيف أصبحت في كثير من الأحيان تبدأ من الشاشة قبل أن تبدأ بالمقابلة.
لهذا لم تعد العلامة الشخصية رفاهية، ولم تعد مرتبطة بالمشاهير أو المؤثرين، بل أصبحت جزءاً من الثقة المهنية. إنها الصورة التي تتكون عنك في أذهان الناس قبل أن يجلسوا معك، والانطباع الذي يسبق المصافحة الأولى.
الخطأ الذي يقع فيه البعض أنهم يظنون أن بناء العلامة الشخصية يعني الحديث المستمر عن الذات. فتجد حساباته مليئة بعبارات من قبيل: حضرت، وأنجزت، وكرمت، وشاركت. وبعد فترة يمل الناس، لأن الإنسان بطبيعته لا يبحث عمن يتحدث عن نفسه، بل يبحث عمن يضيف إليه شيئاً.
العلامة الشخصية لا تُبنى بما تقوله عن نفسك، وإنما بما تقدمه للآخرين. حين تشارك تجربة صادقة، أو تشرح فكرة معقدة بلغة بسيطة، أو تقدم حلاً لمشكلة يواجهها الناس، فإنك في الحقيقة لا تنشر محتوى فقط، بل تبني رصيداً من الثقة يتراكم بهدوء مع مرور الوقت.
أعرف أحد المتخصصين الذي اعتاد أن يكتب مرة واحدة كل أسبوع، لم يكن يبحث عن الشهرة، ولم يكن يقيس نجاحه بعدد الإعجابات، بل كان يحرص على أن يضيف فكرة واحدة نافعة في كل مرة. وبعد سنوات أصبح اسمه معروفاً في مجاله، وصارت الدعوات تصل إليه للمشاركة في المؤتمرات والبرامج، وأصبح العملاء هم من يبحثون عنه، لا العكس.
حينها أدركت أن الإنترنت لا يكافئ من يتحدث كثيراً، بل يكافئ من يضيف قيمة باستمرار.
ولا يعني ذلك أن تكون كاتباً أو متحدثاً بارعاً. يكفي أن تنقل ما تعلمته بصدق، وأن تشارك خبرتك كما هي، وأن تجعل حضورك الرقمي امتداداً طبيعياً لشخصيتك في الواقع. فالناس تستطيع أن تميز بين من يصنع صورة مؤقتة وبين من يبني سمعة حقيقية.
هناك عبارة أرددها دائماً لكل من يسألني عن التسويق الشخصي: لا تجعل هدفك أن يعرف الناس اسمك، بل اجعل هدفك أن يشعروا بالاطمئنان عندما يسمعون هذا الاسم.
فالشهرة قد تأتي سريعاً ثم ترحل، أما الثقة فتحتاج إلى وقت حتى تُبنى، لكنها إذا استقرت أصبحت أعظم استثمار يمكن أن يملكه الإنسان في حياته المهنية.
وفي زمن أصبحت فيه أول مقابلة بينك وبين الآخرين تتم عبر شاشة هاتف، فإن اسمك لم يعد مجرد اسم، بل أصبح رسالة، وكل ما تنشره يكتب سطراً جديداً في تلك الرسالة. لذلك احرص أن يكون هذا السطر جديراً بأن يقرأه الناس، وجديراً أكثر بأن يصدقوه.
- مستشار تسويق
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس (تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي: