*عبدالحكيم محمد الفقيه
في كل أسبوع نقترب خطوة جديدة من فهم الطريقة التي يعمل بها التسويق الرقمي بعيدا عن التعقيد والمصطلحات الأكاديمية لأن التسويق في جوهره ليس إعلانات ممولة ولا منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ولا تصميما جذابا بقدر ما هو فهم عميق للإنسان وكيف يفكر وكيف يشعر وكيف يتخذ قراراته.
وفي هذه الحلقة نناقش فكرة غيرت مفهوم التسويق في العالم كله وهي أن الناس في الغالب لا يشترون المنتج أولا بل يشترون القصة التي يحملها ذلك المنتج.
قد يبدو هذا الكلام غريبا للوهلة الأولى لكن انظر حولك وستكتشف أن معظم قرارات الشراء التي نتخذها لا تبنى على المنطق وحده، نحن نحب أن نعتقد أننا نشتري بعد مقارنة الأسعار والمواصفات لكن علم النفس السلوكي يثبت أن العاطفة تقود القرار ثم يأتي العقل لاحقا ليبرره، ولهذا تنجح بعض المنتجات في احتلال مكانة خاصة في قلوب الناس حتى وإن لم تكن الأرخص أو الأكثر تطورا.
ولعل أفضل مثال عالمي على ذلك شركة آبل، فعندما تطلق الشركة هاتفا جديدا لا تبدأ الحديث عن سرعة المعالج ولا عن حجم الذاكرة وإنما تبدأ بقصة عن الإبداع والابتكار وتجربة المستخدم، يشعر المشتري أنه لا يقتني جهازا إلكترونيا فقط بل ينضم إلى مجتمع يقدر البساطة والتميز، لذلك يقف آلاف الأشخاص في طوابير الانتظار قبل افتتاح المتاجر ليس لأنهم يحتاجون الهاتف في تلك اللحظة بل لأنهم يريدون أن يكونوا جزءا من تلك القصة.
لكننا لسنا بحاجة إلى السفر بعيدا حتى نفهم هذه الفكرة لأن السوق اليمنية تقدم لنا نماذج لا تقل روعة.
تخيل أنك تدخل إلى بقالة في أي مدينة يمنية وتجد عشرات أنواع البسكويت، لماذا يطلب كثير من الناس بسكوت أبو ولد بالاسم رغم وجود بدائل كثيرة قد تكون أرخص أو أحدث؟ هل لأنهم أجروا مقارنة علمية بين المكونات؟ بالطبع لا، الحقيقة أن هذا المنتج نجح عبر عقود في أن يصبح جزءا من ذاكرة الأسرة اليمنية، ارتبط برحلات المدرسة وبصندوق الطعام وبجلسات العصر وبحقيبة المسافر وبالطفولة نفسها، لذلك عندما يشتريه الأب اليوم فهو لا يشتري بسكويتا فقط بل يشتري شعورا قديما يريد أن يعيشه مرة أخرى مع أبنائه، هنا انتصرت القصة على المنتج.
وتأمل أيضا شاي الكبوس. عندما يجلس اليمنيون في مجلس أو في منزل ويقدم لهم كوب من الشاي فإن كثيرا منهم يطمئن عندما يعلم أنه من الكبوس، السبب ليس أن المستهلك يعرف تفاصيل الخلطة أو مصدر الأوراق وإنما لأن اسم الكبوس بنى خلال سنوات طويلة قصة عنوانها الجودة والثقة والاستمرارية، لقد تحول الاسم إلى وعد غير مكتوب يقول للمستهلك لن نخذلك. وهذه هي القوة الحقيقية للعلامة التجارية.
ولنأخذ مثالا ثالثا من حياتنا اليومية، عندما يعود مغترب يمني إلى بلده فإن من أوائل الأشياء التي يطلبها في كثير من الأحيان منتجات ارتبطت بذكرياته القديمة، قد يكون نوعا معينا من البسكويت أو الشاي أو القهوة أو الحلوى، هل تغيرت احتياجاته الغذائية؟ لا، الذي تحرك هو الحنين، والحنين من أقوى المحركات الشرائية التي يعرفها علم التسويق.
وهذه الفكرة ليست حكرا على المنتجات الغذائية، انظر إلى كثير من المشاريع المحلية التي بدأت من محل صغير ثم تحولت إلى اسم معروف، ستجد أن الناس لا يتحدثون عن حجم رأس المال بل عن قصة المؤسس الذي بدأ من الصفر وكافح حتى نجح، هذه القصة تمنح المشروع مصداقية لا تستطيع الحملات الإعلانية وحدها أن تصنعها.
ولهذا فإن المسوق الذكي لا يسأل نفسه كيف أقنع الناس بشراء المنتج بل يسأل كيف أجعل الناس يشعرون أن هذا المنتج يشبههم ويعبر عنهم ويحل مشكلة يعيشونها أو يذكرهم بلحظة جميلة أو يمنحهم أملا جديدا.
ومن أكبر الأخطاء التي تقع فيها الشركات أنها تجعل نفسها بطلة القصة فتقول نحن الأفضل ونحن الأكبر ونحن الأسرع بينما العميل لا يبحث عن بطل جديد، العميل يريد أن يكون هو البطل وأن يجد من يساعده على تجاوز تحدياته، ولذلك فإن الإعلان الناجح لا يبدأ بالحديث عن الشركة وإنما يبدأ بالحديث عن الإنسان.
ولننظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، أي المنشورات تحقق أعلى نسب مشاهدة ومشاركة؟ هل هي المنشورات التي تقول اشتر الآن ولدينا أفضل الأسعار أم تلك التي تحكي قصة حقيقية عن عميل تغيرت حياته أو عن موظف بدأ من الصفر أو عن مشروع ولد من فكرة بسيطة ثم أصبح علامة ناجحة؟ التجربة تثبت أن الناس تشارك القصص أكثر بكثير مما تشارك الإعلانات لأن القصة تلامس المشاعر أما الإعلان فيخاطب الرغبة المباشرة في البيع.
ولهذا لم تعد العلامة التجارية في العصر الرقمي مجرد شعار أو لون أو تصميم. العلامة التجارية أصبحت قصة متكاملة تتكرر كل يوم عبر المحتوى والإعلانات وخدمة العملاء وطريقة الرد على التعليقات وحتى أسلوب التعامل مع الأخطاء، وكلما كانت هذه القصة صادقة ومتسقة ازدادت ثقة الناس بها.
إذا أردت أن تبني علامة تجارية تعيش سنوات طويلة فلا تبدأ بالسؤال ماذا سأبيع بل ابدأ بالسؤال ما هي القصة التي سأجعل الناس يروونها عني بعد أول تجربة، لأن المنتج قد يحقق عملية بيع واحدة أما القصة فتصنع ولاء يمتد لسنوات وتجعل العملاء يقومون بالتسويق نيابة عنك دون أن تطلب منهم ذلك.
وهذا هو الفارق الحقيقي بين شركة تبيع منتجا وشركة تبني علامة تجارية، الأولى تبحث عن العميل التالي أما الثانية فتبني جيلا كاملا من العملاء الذين يحملون قصتها وينقلونها من بيت إلى بيت ومن صديق إلى صديق ومن جيل إلى جيل.
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس (تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي:
- خبير تسويق