2026/08/06
الذهب: $4,248.09 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1522 (LIVE)
الأخبار
الظلم الإداري وثمنه في بيئة العمل
مشاهد وأحداث

الظلم الإداري وثمنه في بيئة العمل

06 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

* فارس الفاتش

لفت انتباهي بعد صلاة الجمعة دعاء كان يردده أحد المصلين بحرقة قائلاً: "يارب ذُقه الذي أذاقنا... يارب ذُقه الذي أذاقنا." وكان يكررها مرات عديدة، وكأنها خرجت من قلب أثقله الظلم حتى لم يجد إلا أن يرفع أمره إلى الله.

قد لا نعرف قصته ولكننا نعرف أن الظلم عندما يبلغ بالإنسان هذا المبلغ فإنه يترك آثارا لا تُرى بالعين لكنها تبقى في النفوس سنوات طويلة.

وفي بيئة العمل، لا يقل الظلم خطورة عن أي ظلم آخر، بل قد يكون أشد أثرا لأنه يمس كرامة الإنسان ورزقه ومستقبله المهني.

المدير الذي يظلم أفراد فريقه، أو يحابي بعض الموظفين على حساب آخرين أو ينسب إنجازات غيره لنفسه أو يقسو في التقييم دون عدل قد يظن أنه يمارس سلطته لكنه في الحقيقة يهدم الثقة ويقتل روح المبادرة ويصنع بيئة عمل مليئة بالإحباط والخوف.

والقائد الذي يستخدم منصبه للضغط أو الإهانة أو الانتقاص من مرؤوسيه، قد يحقق نتائج مؤقتة، لكنه يخسر أهم أصول المؤسسة: الإنسان.

فالقيادة الحقيقية تُبنى على العدالة والاحترام والقدوة، لا على الترهيب والتسلط.

وليس المدير وحده من قد يقع في الظلم فالرئيس قد يظلم مرؤوسيه، والمشرف قد يظلم موظفيه، والمعلم قد يظلم طلابه، والأب قد يظلم أبناءه، وكل صاحب سلطة مسؤول عن كيفية استخدام هذه السلطة.

فلا تظلم ابنا لأنه ضعيف، ولا طالبا لأنه صغير، ولا موظفا لأنه مرؤوس، ولا زوجا أو زوجة لأنهما أقرب الناس إليك، ولا صديقا لأنه وفيّ، ولا محبا لأنه صادق في مشاعره، ومن صور الظلم أيضا أن يظلم المحب محبوبه بالإهمال، أو بالكلمات الجارحة، أو بالخيانة، أو باستغلال مشاعره، أو بعدم الوفاء بالوعود، وربما يكون هذا النوع من الظلم من أشدها أثرا، لأنه يصيب القلب الذي منح ثقته بصدق، فكل علاقة إنسانية تقوم على الثقة والمودة.

وفي المقابل، يظل المبدأ واحدا في جميع العلاقات، العدل يحفظها، والظلم يهدمها، فما بُني على الإنصاف والاحترام يدوم، وما بُني على الظلم لا يلبث أن يتصدع، فالحياة تعلمنا أن كما تدين تُدان، والجزاء من جنس العمل، وأن من يؤذِ قلوب الناس سيأتي يوم يشعر فيه بمرارة ما أذاقهم، ومن أحسن إليهم وجد أثر إحسانه يعود إليه خيرا وبركة.

ومن الآثار التي يتسبب بها الظلم على سبيل المثال:

في داخل الأسرة أنه يترك جراحا في شخصية الأبناء، وفي المدرسة قد يقتل موهبة طالب، وفي العمل قد يدفع موظفا مخلصا إلى فقدان شغفه أو ترك المؤسسة، وربما خسرت المؤسسة بذلك أحد أفضل كوادرها.

الإدارة الحديثة تؤكد أن العدالة التنظيمية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي عامل رئيس في رفع الإنتاجية، وتعزيز الولاء الوظيفي، وتقليل دوران الموظفين، وزيادة الثقة بين الإدارة والعاملين.

أما حين تغيب العدالة، فإن الشكاوى تزداد، والثقة تتراجع، وتضعف روح الفريق، ويصبح النجاح الفردي أهم من نجاح المؤسسة.

ومن أعظم القواعد التي ينبغي أن يستحضرها كل من يتولى مسؤولية قول الله تعالى:

(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) وكذلك المعنى العظيم الذي يتداوله الناس: "كما تدين تُدان" فالجزاء من جنس العمل، ومن زرع العدل حصد الاحترام والدعاء الصادق، ومن زرع الظلم فقد يلاحقه دعاء المظلوم، وليس بينه وبين الله حجاب.

المناصب لا تدوم، والكراسي تتغير، واليوم قد تكون مديرا، وغدا قد تكون موظفا، واليوم قد تكون رئيسا، وغدا تصبح مرؤوسا، واليوم قد تملك القرار، وغدا قد تبحث عمن ينصفك.

لذلك فإن أفضل استثمار لأي قائد هو العدل، وأفضل إرث يتركه أي مدير هو السمعة الطيبة والإنصاف.

فلنجعل العدل ثقافة مؤسسية، لا مجرد شعار، ولنتذكر دائما أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إصدار الأوامر، وإنما في القدرة على إنصاف الناس، واحترام كرامتهم، وبناء بيئة عمل يسودها العدل والثقة والاحترام المتبادل.

فالعدل يبني المؤسسات، أما الظلم فلا يبني إلا الخوف، وما بُني على الخوف لا يدوم.

المراجع:

القرآن الكريم.

السلوك التنظيمي _ ستيفن روبنز.

القادة يأكلون أخيرا _ سايمون سينك.

الذكاء العاطفي _ دانيال جولمان.

*مدير موارد بشرية