2026/08/17
الذهب: $4,415.60 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1578 (LIVE)
الأخبار
التسويق الرقمي ببساطة – الحلقة 12.. طيب السوق ولا طيب البضاعة
مشاهد وأحداث

التسويق الرقمي ببساطة – الحلقة 12.. طيب السوق ولا طيب البضاعة

17 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

*عبدالحكيم محمد الفقيه

حين تختصر حكمة السوق الشعبي اليمني درسًا كاملًا في التسويق والتجارة

في الأسواق الشعبية اليمنية لا تحتاج أحيانًا إلى كتاب في الاقتصاد ولا إلى دورة في التسويق حتى تسمع خلاصة تجربة تجارية عمرها عشرات السنين

يكفي أن تجلس إلى تاجر قديم في باب اليمن أو سوق الشنيني أو أحد الأسواق الشعبية في صنعاء وتعز وغيرها وتسأله عن سبب رواج بضاعته أو كسادها حتى تسمع العبارة التي تختصر فلسفة كاملة

«طيب السوق ولا طيب البضاعة»

وقد ترد بصيغة أخرى قريبة منها

«حسن السوق ولا حسن البضاعة»

هذه ليست مجرد عبارة يتداولها الباعة للتبرير حين تضعف المبيعات وليست حكمة عابرة قيلت في لحظة من لحظات السوق بل هي تعبير شعبي عن حقيقة اقتصادية وتسويقية مهمة مفادها أن جودة السلعة وحدها لا تكفي دائمًا لصناعة البيع وأن السوق بما فيه من طلب وقدرة شرائية وموسم ومنافسة وموقع وسلوك مستهلك يمكن أن يرفع بضاعة أو يخفضها

واللافت أن هذه العبارة ليست غريبة عن التراث اليمني فقد وردت ضمن أمثال يمنية متعلقة بالسوق والبيع والشراء إلى جانب أمثال أخرى تكشف أن اليمنيين راكموا عبر التجارة والأسواق معرفة عملية واسعة بسلوك البيع والشراء

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية

ماذا يعني طيب السوق؟

حين يقول التاجر «السوق طيب» فهو لا يقصد بالضرورة أن السوق جميل أو منظم أو أن المكان واسع

هو يتحدث عن حالة اقتصادية كاملة

السوق طيب عندما يكون الناس راغبين في الشراء وعندما تكون السيولة موجودة وعندما يكون الطلب مرتفعًا وعندما يكون المنتج مناسبًا لما يبحث عنه الناس وعندما يكون الموسم مساعدًا وعندما يكون السعر مقبولًا وعندما تكون حركة البيع والشراء نشطة

قد تكون لديك بضاعة ممتازة جدًا لكنك وضعتها في سوق لا يبحث عنها

وقد تكون لديك بضاعة عادية لكنك وضعتها في مكان يكثر فيه الطلب عليها

هنا يظهر معنى «طيب السوق»

فالسلعة لا تعيش وحدها

إنها تحتاج إلى سوق يحتاج إليها

وهذه الفكرة نفسها تظهر في أدبيات التسويق الحديثة التي تنظر إلى السوق من زاوية احتياجات المستهلك ورغباته وقدرته الشرائية وتوقيت الشراء والمنافسة ومكان البيع والسعر المناسب قبل التفكير في عملية البيع نفسها

التاجر الشعبي ربما لا يستخدم كلمات مثل تحليل السوق أو سلوك المستهلك أو القوة الشرائية أو دورة الطلب

لكنه يعرفها بالفطرة

يعرفها عندما يقول

«هذا سوقه هنا»

ويعرفها عندما يقول

«هذه البضاعة ما لها سوق»

ويعرفها عندما يقول

«اصبر حتى يدخل الموسم»

ويعرفها عندما يشتري كمية كبيرة من سلعة لأن الناس بدأت تسأل عنها

وهذه في جوهرها قراءة للسوق وليست مجرد خبرة في البيع.

وهل يعني ذلك أن حسن البضاعة لا قيمة له؟

هنا يجب أن نتوقف

لأن فهم المثل بطريقة سطحية قد يقود إلى نتيجة خطيرة

ليس معنى «طيب السوق ولا طيب البضاعة» أن الجودة غير مهمة

وليس معناه أن التاجر يستطيع أن يبيع الرديء إذا عرف كيف يروج له

المثل يصف قوة السوق في تحريك البضاعة ولا يمنح رخصة للغش أو التدليس

قد يساعد السوق الجيد على بيع بضاعة أقل جودة لفترة

لكن جودة البضاعة هي التي تساعد على استمرار البيع وبناء السمعة وعودة العميل

وهنا يظهر الفرق بين «البيع» و«التجارة»

البيع قد يكون صفقة واحدة

أما التجارة فهي علاقة تتكرر

الذي يبيعك مرة بالحيلة قد يربح منك ريالًا اليوم لكنه يخسر اسمًا كان يمكن أن يربح منه سنوات

ولهذا يمكن أن نقول إن السوق قد يصنع فرصة البيع لكن البضاعة تصنع استمرارية التجارة

تخيل تاجرًا في سوق الشنيني

لنفترض أن تاجرًا وضع في محله منتجًا ممتازًا جدًا لكنه اختار له موسمًا غير مناسب وسعرًا أعلى بكثير من قدرة الزبائن الذين يرتادون السوق

قد يجلس أسابيع وهو يقول

«البضاعة ممتازة والناس ما تعرف»

لكن المشكلة ربما ليست في الناس ولا في البضاعة

المشكلة أنه لم يقرأ السوق

وسوق الشنيني نفسه مثال غني على العلاقة بين السوق والمنتج والهوية إذ ما زال يحتفظ بطابع تقليدي وتنتشر فيه منتجات وحرف مرتبطة بالتراث والمنتجات اليدوية التي لا تتوافر بالضرورة في كل الأسواق

لو جاء تاجر إلى هذا السوق ببضاعة لا تنسجم مع طبيعة المتسوقين فيه فقد تكون بضاعته ممتازة في مكان آخر لكنها ليست بالضرورة مناسبة لهذا السوق

وهنا يقال له بلسان السوق

«طيب البضاعة ما يكفي إذا السوق مش سوقها»

وماذا يحدث في باب اليمن؟

في الأسواق القديمة لا يشتري الناس المنتج فقط

يشترون السعر

ويشترون الثقة

ويشترون معرفة البائع

ويشترون طريقة العرض

ويشترون القدرة على المساومة

ويشترون أحيانًا القصة التي يحكيها البائع عن بضاعته

وقد يعرف أحدهم أن المحل الفلاني يبيع نوعًا معينًا من المنتجات فيذهب إليه مباشرة

بينما يعرف آخر أن سوقًا معينًا أرخص في سلعة أخرى

وهذا يعني أن السوق نفسه يصبح جزءًا من المنتج

فالموقع له قيمة

والحركة لها قيمة

والسمعة لها قيمة

والتجمع التجاري له قيمة

ولهذا كانت الأسواق الشعبية في اليمن أكثر من مجرد أماكن للبيع والشراء فقد ارتبطت تاريخيًا بالحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وأصبحت جزءًا من ذاكرة المدن وأنماط المعيشة فيها

لكن هناك وجهًا آخر للمثل

هنا تأتي المنطقة التي يجب أن ينتبه إليها الشباب

«طيب السوق ولا طيب البضاعة» يمكن أن تكون حكمة إذا فهمناها باعتبارها دعوة إلى قراءة السوق

ويمكن أن تتحول إلى عذر إذا استخدمها التاجر ليبرر بضاعته الرديئة

وهذا أخطر ما في المثل

فالتاجر الذي يخسر قد يقول

«السوق تعبان»

وقد يكون صادقًا

لكن قد يكون أيضًا يهرب من الاعتراف بأن بضاعته غير مناسبة أو أن سعرها مرتفع أو أن طريقة عرضه ضعيفة أو أنه لم يعرف ماذا يريد الناس

ومن هنا يجب ألا يتحول المثل إلى شماعة نعلق عليها كل فشل تجاري

السوق مسؤول عن جزء من النتيجة

والتاجر مسؤول عن جزء آخر

والبضاعة مسؤولة عن جزء ثالث

والتسويق يجمع هذه العناصر ويحاول أن يجعل بينها توافقًا

السوق قد يبيع الرديء ولكن لا يستطيع أن يصنع له عمرًا طويلًا

يمكن للسوق المزدهر أن يرفع الطلب على منتجات كثيرة

ويمكن للحماس العام والسيولة والموسم والمناسبات أن تجعل الناس يشترون حتى منتجات لم تكن لتباع في ظروف أخرى

لكن عندما يهدأ السوق تظهر الحقيقة

هل العميل راض؟

هل سيعود؟

هل سيحكي لغيره عن المنتج؟

هل سيحتفظ بالعلامة التجارية؟

هل يشعر أنه حصل على قيمة عادلة مقابل ما دفع؟

هنا تنتهي قوة «طيب السوق» وتبدأ قوة «طيب البضاعة»

وهذا ما يجعل المثلين اللذين يبدوان متعارضين في الظاهر صحيحين في الوقت نفسه

«طيب السوق ولا طيب البضاعة»

وفي المقابل

«البضاعة الجيدة تبيع نفسها»

الحقيقة أن كليهما يحتاج إلى الآخر

السوق الجيد يفتح الباب

والبضاعة الجيدة تجعل الزبون يعود من الباب نفسه

ومن هنا نفهم سر التاجر القديم

التاجر القديم لا يشتري فقط لأنه أعجبته البضاعة

يسأل

من سيشتريها؟

أين سأبيعها؟

متى سأبيعها؟

كم يستطيع الزبون أن يدفع؟

هل هذه السلعة لها موسم؟

هل هناك منافس؟

كم بقي عند التجار الآخرين؟

هل الطلب عليها يتحرك أم أنها ستبقى في المخزن؟

قد لا يكتب هذه الأسئلة في دفتر

لكنه يضعها في رأسه

وهذا بالضبط ما تفعله الشركات الحديثة عندما تدرس السوق قبل إطلاق منتج جديد

الفارق أن التاجر الشعبي تعلمها من الحياة بينما تسميها الإدارة الحديثة أبحاث السوق وتحليل الطلب وتقسيم السوق واستهداف العملاء وتحديد الموقع التسويقي

«لو استوت الأذواق لتغلقت الأسواق»

ومن أجمل ما في الأمثال اليمنية المرتبطة بالسوق أنها تكشف فهمًا مبكرًا لاختلاف الناس

فالمثل

«لو استوت الأذواق لتغلقت الأسواق»

يقول في كلمات قليلة ما تقوله اليوم دراسات التسويق عن اختلاف احتياجات المستهلكين وتفضيلاتهم

لو كان جميع الناس يريدون الشيء نفسه وبالسعر نفسه ومن المكان نفسه لما احتجنا إلى هذا التنوع الهائل في الأسواق والمنتجات والبائعين

واختلاف الأذواق هو الذي يصنع الفرص

منتج يراه شخص غاليًا يراه آخر مناسبًا

وسلعة يراها شخص عادية يبحث عنها شخص آخر

وسوق لا يناسب تاجرًا قد يكون أفضل سوق لتاجر آخر

وهنا تظهر عبقرية السوق الشعبي

إنه مدرسة مفتوحة لتعلم الاختلاف.

ماذا يتعلم الشباب من هذه الحكمة؟

أهم درس هو ألا تبدأ من المنتج وتبحث بعد ذلك عن الزبون

ابدأ من المشكلة والحاجة والسوق ثم ابحث عن المنتج الذي يحلها

لا تقل

«عندي بضاعة ممتازة»

بل اسأل

«من يحتاجها؟»

لا تقل

«أنا مقتنع بهذا المنتج»

بل اسأل

«هل العميل مقتنع به؟»

لا تقل

«أنا أرى أن السعر مناسب»

بل اسأل

«هل السوق يراه مناسبًا؟»

ولا تقل

«الناس ما تفهم»

قبل أن تسأل نفسك

«هل أنا فهمت الناس؟»

هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن توفر على صاحب المشروع سنوات من التجربة والخسارة.

السوق ليس مكانًا فقط

وهذه ربما أهم نقطة في الحكاية كلها

الشاب الذي يريد أن يبدأ مشروعًا اليوم يجب أن يوسع مفهوم السوق

السوق ليس فقط باب اليمن

وليس سوق الشنيني

وليس شارعًا تجاريًا

السوق يمكن أن يكون متجرًا إلكترونيًا

وقد يكون صفحة في فيسبوك

وقد يكون تيك توك

وقد يكون واتساب

وقد يكون تطبيقًا

وقد يكون مجموعة صغيرة من العملاء

السوق اليوم يمكن أن يكون في الهاتف الذي في يدك

ولهذا فإن «طيب السوق» في زمن التجارة الرقمية قد يعني أن الخوارزمية أو المنصة أو التوقيت أو الجمهور المناسب قد اجتمعوا معًا لصناعة الطلب

لكن القاعدة القديمة لا تتغير

إذا كانت البضاعة سيئة فسوف يكتشفها الناس

وإذا كان المنتج جيدًا لكنه لم يصل إلى جمهوره فقد يبقى مجهولًا

وهناك درس أخلاقي لا ينبغي أن ننساه

التجارة في الثقافة الإسلامية ليست مجرد تحقيق ربح

فالصدق والأمانة والوضوح في البيع ليست تفاصيل جانبية

قال الله تعالى

«ويل للمطففين»

وجاء في الحديث

«من غشنا فليس منا»

لذلك لا يجوز أن نفهم «حسن السوق» باعتباره مهارة في خداع الناس أو تضخيم سلعة لا تستحق قيمتها

التسويق الجيد لا يعني أن تجعل الناس يشترون ما لا يحتاجون إليه

بل أن تجعل من يحتاج المنتج يعرفه ويفهم قيمته ويستطيع اتخاذ قرار الشراء على بينة

وهنا يصبح التسويق خدمة للسوق وليس خداعًا له.

طيب السوق أم طيب البضاعة؟

ربما السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة

الأدق أن نقول

طيب السوق يخلق الفرصة
وطيب البضاعة يحافظ عليها
وحسن التاجر يربط بينهما

السوق الجيد من دون بضاعة جيدة قد يتحول إلى فرصة مؤقتة

والبضاعة الجيدة من دون سوق مناسب قد تتحول إلى مخزون راكد

والتاجر الذي يفهم الاثنين يستطيع أن يحول الفرصة إلى مشروع

وهذه هي النقطة التي تجعل المثل الشعبي اليمني أعمق مما يبدو

فهو ليس احتفاءً بالسوق على حساب الجودة

بل اعتراف بأن التجارة منظومة

الطلب جزء منها

والمنتج جزء منها

والسعر جزء منها

والمكان جزء منها

والتوقيت جزء منها

والسمعة جزء منها

والتاجر نفسه جزء منها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه للشباب اليوم هو ألا ينظروا إلى أمثال السوق الشعبي باعتبارها مجرد عبارات يقولها كبار السن

فوراء كل مثل تجربة

ووراء التجربة قرار

ووراء القرار ربح وخسارة

ووراء الربح والخسارة معرفة تراكمت عبر أجيال

وحين يقول لك تاجر يمني قديم

«طيب السوق ولا طيب البضاعة»

فلا تتعامل معها كجملة شعبية عابرة

توقف قليلًا

واسأل نفسك قبل أن تبدأ مشروعك

هل سوقي طيب؟

وهل بضاعتي طيبة؟

وهل أعرف لمن أبيع؟

وهل أعرف لماذا سيشتري مني؟

فإذا اجتمعت هذه الأسئلة الأربعة فقد بدأت تفكر كتاجر حقيقي

أما إذا امتلكت بضاعة ممتازة ولم تعرف أين ولمن ومتى تبيعها

فقد تكون فعلت كل شيء إلا التسويق

وإذا عرفت السوق جيدًا وبعت بضاعة رديئة

فقد تربح صفقة

لكن السوق سيكشفك في النهاية

ولهذا ربما تكون الحكمة التي يحتاجها جيل التجارة الجديد ليست

«طيب السوق ولا طيب البضاعة»

ولا

«طيب البضاعة ولا طيب السوق»

بل

اعرف سوقك
وأحسن بضاعتك
وكن صادقًا مع زبونك
ثم دع السوق يحكم بينك وبين منافسيك

فالسوق الشعبي اليمني لم يكن مجرد مكان يبيع فيه الناس بضائعهم

كان مدرسة اقتصادية مفتوحة

والكبار الذين وقفوا على أبوابه عشرات السنين لم يدرسوا التسويق في الجامعات

لكنهم تعلموا أهم قاعدة فيه

لا يكفي أن تكون عندك بضاعة جيدة
المهم أن تعرف لمن هي جيدة وأين تجد من يحتاجها ومتى يكون مستعدًا لشرائها

وهنا بالضبط يلتقي المثل الشعبي القديم مع علم التسويق الحديث.

 

*مستشار تسويق

أخبار تهمك:
أخبار الشركات والأعمال
https://economics360.net/category.php?id=3

أخبار الجامعات والمدارس

https://economics360.net/category.php?id=10

أخبار اليمن

https://economics360.net/category.php?id=1&sub=28