2026/06/10
الذهب: $4,182.00 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1544 (LIVE)
الأخبار
شركات التسويق ودورها في تطوير الصناعة المصرفية في اليمن
متفرقات

شركات التسويق ودورها في تطوير الصناعة المصرفية في اليمن

05 Jun, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

محمد علي ثامر*

- يمكن لشركات التسويق أن تؤدي دوراً تنموياً عبر الترويج للتمويلات البنكية المختلفة، وتشجيع ثقافة الادخار، وتسويق المنتجات التمويلية للمشاريع

- أحد أبرز أدوار شركات التسويق يتمثل في مواكبة التحول الرقمي داخل البنوك اليمنية ذاتها، وخصوصاً مع توسع خدماتها كالمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات البنكية

- لم تعد البنوك تعني مجرد خزائن وأرقام وحسابات، بل تعني أيضا صورة ذهنية إيجابية ، وثقة، وقدرة على الوصول إلى الجمهور

- في ظل الأزمات المستمرة أصبحت حاجة البنوك اليمنية أكبر إلى حملات تسويقية وإعلانية احترافية تعيد بناء الثقة المفقودة لدى الجمهور خلال العقود الأخيرة شهدت الصناعة المصرفية في اليمن تحولاتٍ كبيرة، فرضتها التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب التحديات السياسية والحرب والانقسام المالي؛ وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد نجاح البنوك مُرتبطاً فقط بحجم رؤوس الأموال أو عدد الفروع، بل أصبح التسويق المصرفي أحد أهم أدوات المنافسة والبقاء والاستمرار.

ومن هنا يبرز الدور الحيوي الذي يُمكن أن تؤديه شركات التسويق في تطوير القطاع المصرفي اليمني، عبر بناء الهوية المؤسسية، وتعزيز الثقة، وتوسيع قاعدة العملاء، وإدخال أدوات حديثة للتواصل والخدمات المالية، بل وأصبحت هذه الشركات جزءاً أساسياً من نجاح أي مؤسسة اقتصاديةٍ، سواءً أكانت بنكاً أم شركةً مالية أم خلافهما؛ إذ لم تعد البنوك مجرد خزائن وأرقام وحسابات، بل صورةً ذهنية، وثقة، وقدرة على الوصول إلى الجمهور؛ غير أن السؤال الأهم في حالة البنوك اليمنية يبقى هل لعبت شركات التسويق دوراً في تطوير عمل هذه البنوك، أم كانت على العكس من ذلك؟! 

والإجابة هنا ليست مطلقة، فالأمر يعتمد على طبيعة الإدارة المصرفية، ووعي البنك بأهمية التسويق، ومدى احترافية الشركات التي يتعامل معها؛ ولكن عند النظر إلى بعض التجارب البنكية اليمنية يمكننا القول أن التسويق له أثرٌ كبير في تطور الصناعة المصرفية في مختلف بلدان العالم واليمن إحداها، إذا ما أحسن استخدامه، وتطوَّرت أدواته، وحضوره في الوقت والزمن الفعليين، وهذا ما نحن بصدد ذكره في هذا المقال. 

التسويق وصناعة الثقة أولاً

يختلف التسويق في القطاع المصرفي عن التسويق التقليدي للسلع الاستهلاكية أو المواد الأخرى؛ فالبنك لا يبيع منتجاً مادياً، بل هو يبيع «الثقة المطلوبة» و«الأمان الحقيقي» و«الخدمة النوعية»، ولذلك فإن شركات التسويق المتخصصة تستطيع أن تلعب دوراً محورياً في تحسين الصورة الذهنية للبنوك، وبناء العلامة التجارية المصرفية، وتعزيز العلاقة بين البنك والعملاء، ورفع مستوى الوعي بالخدمات البنكية الحديثة، وإدارة السمعة المؤسسية أثناء الأزمات والحروب؛ ففي بلادنا اليمن، تعرَّض القطاع المصرفي لهزاتٍ كبيرة نتيجة عدة عوامل أبرزها الحرب المستمرة، والعقوبات الخارجية، والانقسام والتضارب في السياسات النقدية، وبالتالي أصبحت الحاجة أكبر إلى حملات تسويقية وإعلانية احترافية تعيد بناء الثقة المفقودة لدى الجمهور؛ بصفتها إحدى الحلول لتجاوز كمٍ هائلٍ من التحديات المصيرية، وتجاوز الصعوبات والعراقيل التي تقف حجر عثرة أمام مستقبل الصناعة المصرفية اليمنية ككل، وتنوع الخدمات المقدمة من البنوك على وجه التحديد. 

التسويق وخلق ثقافة مصرفية جديدة

يتمثل أحد أبرز أدوار شركات التسويق في مواكبة التحول الرقمي بداخل البنوك اليمنية ذاتها، وخصوصاً مع توسع خدماتها كالمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات البنكية، والتحويلات الرقمية، وخدمات الدفع الإلكتروني... وغيرها من الخدمات التي أصبحت لسان العصر، وعنوان التميز في الأعمال البنكية، ومع الأسف الشديد لا زال الكثير من مواطني بلادنا يتعاملون نقدياً، وربما ذلك نتاج ضعف الثقافة المصرفية أو غياب الثقة أو محدودية التوعية والتثقيف المصرفي على وجه التحديد.. وهنا يأتي الدور المناط لشركات التسويق في إنتاج حملاتٍ توعويةٍ مُبسطة، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة للوصول إلى فئتي الشباب والمرأة، وشرح مزايا الخدمات الرقمية، وتقديم محتوياتٍ سمعيةٍ وبصريةٍ توعويةٍ وتثقيفية تسهّل استخدام التطبيقات البنكية المختلفة، وتشرح أدواتها وخدماتها.

لذا فإن نجاح أي بنكٍ في المستقبل سيكون مرهوناً بقدرته على الوصول إلى الهاتف المحمول للمواطن، وليس فقط إلى الشارع أو الفرع التقليدي.

التسويق وتعزيز الشمول المالي

صحيحٌ أن بلادنا تعد من أقل الدول العربية في معدلات الشمول المالي؛ إذ لا تزال نسبةً كبيرة من السكان خارج النظام المصرفي الرسمي، وأن الكتلة الأكبر من العملة النقدية الوطنية لا زالت بعيدةً عن مؤسسات هذا النظام؛ سواءً من ذي قبل، أو بالذات مع الحرب والانقسام المصرفي، الذي جعل المواطنين يعزفون ويحجمون عن إيداع أموالهم لدى البنوك وهنا يقع الدور على عاتق شركات التسويق التي يمكنها أن تساعد البنوك في الوصول إلى هذه الفئات عبر تنفيذ دراسة سلوك المجتمع المحلي، وتصميم حملاتٍ تسويقية تُناسب بيئتهم، واستهداف النساء والشباب ورواد الأعمال، وتبسيط الخطاب المصرفي المعقَّد، وربط الخدمات البنكية بمختلف تفاصيل الحياة اليومية لعامة المواطنين؛ فعندما يشعر المواطن أن البنك ليس مؤسسةً مُعقَّدة أو هو حكراً على التجار والأثرياء، بل أصبح شريكاً حقيقياً في حياته اليومية، فإن العلاقة بين الطرفين ستتغير جذرياً، وستتطور حتماً نحو المستقبل. 

التسويق كأداة للاستثمار والتنمية

لم يعد القطاع المصرفي مجرد وسيطٍ مالي، أو خزينةٍ لحفظ الودائع فقط، بل أصبح محركٍ كبير للتنمية الاقتصادية في أي بلد، وكلما نجحت البنوك في جذب المدخرات المالية، وتمويل المشاريع المختلفة، سواءً الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، فإن كل ذلك سينعكس حتماً على تطور الاقتصاد الوطني وتقدمه بصورةٍ إيجابية، ومحفزة للنمو. 

ومن هنا يمكن لشركات التسويق أن تؤدي دوراً تنموياً عبر الترويج للتمويلات البنكية المختلفة، وتشجيع ثقافة الادخار، وتسويق المنتجات التمويلية للمشاريع الممولة من قبل البنوك ذاتها، وجذب المستثمرين المحليين، وتحسين صورة البيئة الاستثمارية في البلد بشكلٍ عام، كما يمكن للتسويق الاحترافي أن يساعد هذه البنوك على بناء شراكاتٍ دوليةٍ ناجحة، وإظهار قدرتها على التكيف والعمل رغم الظروف المعقدة.

الكريمي أنموذج رائد وتسويق محترف

ينتهج بنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي لاستراتيجية مؤسسيةٍ تقوم على اعتبار أن التسويق لدبه ليس مجرد إعلانٍ عن البنك فقط، بل جزءاً أصيلاً من خططه الاستراتيجية المؤسسية؛ سواءً أكان ذلك عبر شركة تسويق محترفة، أم عبر كوادره المؤهلة في ذات الوقت في مجال التسويق المصرفي، وهنا بيت القصيد!! 

ولعل أبرز مدلولات نجاح بنك الكريمي في هذا المجال هو قدرته الفائقة على التحول من شركة صرافة، وشبكة تحويلات إلى مؤسسةٍ ماليةٍ مرموقة ومؤثرة؛ حيث بدأ في تسعينيات القرن الماضي كشركة تحويلاتٍ مالية تعمل في بيئةٍ يمنيةٍ مُعقَّدة يغلب عليها الاقتصاد النقدي، وضعف الثقة بالبنوك؛ ولكن ما ميّز بنك الكريمي كأنموذج ناجح في هذا المجال لم يكن فقط الانتشار الجغرافي، وتعدد الفروع، بل في قدرته على تسويق «فكرة القرب من المواطن»، مستخدماً بذلك العديد من الشعارات كـ«دوماً معك»، و«حساب في كل بيت»، و«حياتك أسهل»، و«معك في كل مكان».. وغيرها الكثير والكثير. 

فالتسويق بالنسبة إليه لم يكن مجرد لوحاتٍ إعلانية أو إعلاناتٍ منشورة في مختلف الوسائل الإعلامية التقليدية أو الإلكترونية، بل كان انتشاراً واسعاً للفروع، وخطاباً بسيطاً يفهمه المواطن البسيط قبل رجل المال والأعمال الحاذق، وسرعةً في تقديم الخدمات، وبناء صورةٍ ذهنيةٍ مرتبطة بالثقة والنزاهة والمصداقية، واستهدافاً للطبقة المتوسطة والبسيطة، واستخداماً ذكياً للهوية البصرية التي هي عنوان مرحلته، وحقيقة فقد نجح بنك الكريمي في تقديم نفسه كمؤسسةٍ مصرفيةٍ قريبةٍ من الناس في المقام الأول، باعتباره بنكاً لكل المواطنين، لكل المغتربين، لكل العملاء؛ وهذا هو عنصر الرهان. 

ولهذا ففي تجربة بنك الكريمي التسويقية الواضحة لعب التسويق دوراً تنموياً واضحاً في عدة جوانب:

1. توسيع الشمول المالي: 

حيث استطاع هذا البنك في الوصول إلى شرائح لم تكن تتعامل مع البنوك من ذي سابق، خصوصاً سكان الأرياف والمناطق النائية، وأصحاب الدخل المحدود، وفئات المرأة والشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة؛ وهذا بحد ذاته يمثِّل تطوراً مهماً للصناعة المصرفية اليمنية بشكلٍ عام، ولبنك الكريمي بشكلٍ خاص.

2. خلق ثقافة مصرفية جديدة: 

قبل عقودٍ من الزمن، كان الكثير من اليمنيين يربطون أعمال البنوك بكونها معقدة، أو أنها تتعامل بالربا، أو هي مخصصة للنخب التجارية، ولكن بنك الكريمي ومن خلال إطلاقه للحملات التسويقية النوعية، وتقديمه للخدمات المالية والمصرفية المبسطة ساهم في تغيير هذه الصورة تدريجياً، بل وعمل على خلق ثقافةً مصرفيةً جديدة. 

3. دعم التحول الرقمي: 

في بنك الكريمي ساهم التسويق على تشجيع استخدام المحافظ الإلكترونية كمحفظة "ام فلوس"-والتي تعد أول محفظةٍ نقديةٍ إلكترونيةٍ يمنية-، والتطبيقات المالية المميزة كالكريمي جوال، والتحويلات الرقمية كالكريمي اكسبرس، وخدمات الدفع الإلكترونية كنقاط حاسب.. وغيرها؛ وكل هذه العناصر التي يتميز لها بنك الكريمي حققت له نجاحاتٍ كبيرة على أرض الواقع، كنتاج لنجاح الجانب التسويقي لديه أولاً وثانياً وأخيراً، علماً بأن أي خدمةٍ رقميةٍ مهما كانت متطورة ستفشل إذا لم يتم تسويقها بطريقةٍ ذكيةٍ ومفهومة، وهذا ما تنبه له بنك الكريمي منذ البداية. 

في الأخير.. وكاستقراءٍ لواقع البنوك اليمنية نصل إلى تساؤلٍ مُثير هو هل المشكلة في شركات التسويق أم في البنوك ذاتها؟! والإجابة بالطبع، تقوم على أن شركات التسويق وحدها لا تصنع النجاح أو الفشل؛ كما أن التسويق بحد ذاته لا يستطيع إنقاذ مؤسسةٍ مصرفيةٍ ضعيفة من الداخل، وإنما يجب أن يمتلك البنك رؤيةً واضحة تقوم على تطوير خدماته، واحترام عملائه، والاستثمار في التقنية الجديد في عالم المصارف، فإن التسويق هنا يتحول إلى محرك نموٍّ قوي جداً، أما إذا كان العكس فإنه قد يمنحها وهجاً مؤقتاً فقط، سرعان ما ينهار أمام تجربة العميل الحقيقية، بالذات مع الجمهور اليمني الذي لا يخدع بسهولة بالإعلانات كما كان من سابق، بل أصبح يُقارن بين سرعة الخدمات، وسهولة التطبيقات، والانتشار، والأمان، والاحترام، وتجربته اليومية الفعلية، كما أن البنك الأكثر إنفاقاً على الإعلانات لا ينجح بالضرورة، بل ينجح البنك الذي يستطيع فهم المجتمع، وتبسيط الخدمة، وبناء الثقة، والوصول إلى مختلف الشرائح المجتمعية، بل وتحويل التسويق إلى تجربةٍ يوميةٍ حقيقية؛ فالسوق المصرفية اليمنية اليوم لم تعد تحكمها الفخامة المصرفية، بل تحكمها عناصر المرونة، والقرب من المواطن، وسهولة الخدمة، والثقة.

ولذلك فإن نجاح بعض المؤسسات المالية في اليمن، وعلى رأسها بنك الكريمي لم يكن بسبب الإعلان وحده، بل بسبب قدرتها على تحويل التسويق إلى ثقافةً مؤسسيةً قائمةً على فهم المجتمع اليمني وإدراك احتياجاته لنصل إلى القول بأن شركات التسويق قد تكون عامل تطويرٍ هائلٍ للبنوك اليمنية عندما تتحول إلى شريكٍ استراتيجي في بناء الثقة، وتوسيع الشمول المالي، وتطوير الهوية المؤسسية، وتعزيز التحول الرقمي؛ لتبقى تجربة بنك الكريمي مثالاً بارزاً على كيف يمكن للتسويق الذكي، حين يقترن بالخدمة والانتشار وفهم المجتمع، أن يصنع فارقاً كبيراً وتحولاً حقيقياً في القطاع المصرفي اليمني.

* صحافي وباحث اقتصادي