يواجه الاقتصاد الليبي أزمة خانقة نتيجة الاستهدافات المتكررة لقطاع النفط وتفاقم أزمة المصرف المركزي؛ فقد تحولت مصفاة الزاوية الحيوية غرب البلاد إلى بؤرة توتر أمني واقتصادي بعد تعرضها لسلسلة هجمات بمسيّرات.
وأسفر أحدث هذه الاعتداءات عن استهداف خزان وقود يضم نحو 4.5 ملايين ليتر من البنزين، مما خلف حريقاً هائلاً وتدميراً كاملاً للخزان.
بموازاة ذلك، أكدت مصادر مقربة من محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، لـ"العربي الجديد" أن طلبه الإعفاء من منصبه جاء على خلفية عدم تعاون الأطراف المنقسمة في الدولة بشأن ضبط الإنفاق العام وتوريد عوائد النفط إلى المصرف المركزي، في وقت تتواصل فيه الخلافات السياسية والمؤسسية بشأن إدارة الموارد العامة، بما يفرض ضغوطاً متزايدة على الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد.
ورغم الحريق والأضرار التي لحقت بالخزان، واصلت مصفاة الزاوية عملياتها النفطية والإدارية بصورة طبيعية، بحسب مصادر مطلعة على سير العمل داخل المنشأة، فيما تواصل فرق الإطفاء عمليات السيطرة على النيران وتبريد الخزانات المجاورة لمنع امتداد الحريق.
وقالت مصادر مسؤولة من المصفاة لـ"العربي الجديد" إن الخزان المستهدف يقع ضمن موقع تابع لشركة البريقة لتسويق النفط، وليس ضمن وحدات التكرير الرئيسية للمصفاة، مؤكدة أن الفرق الفنية والإدارية لا تزال في مواقعها، وأن العمليات التشغيلية لم تتوقف منذ الليلة الماضية.
هجمات عديدة
أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن منشآت نفطية في الزاوية تعرضت خلال يومي الأحد والاثنين لثلاث هجمات بطائرات مسيّرة. واستهدفت إحدى الهجمات خزاناً للبنزين أدى إلى اندلاع الحريق، بينما استهدفت ضربة أخرى خزاناً للنافثا غير المعالجة، ما أدى إلى أضرار وتسرّب في المنتج من دون اشتعال حريق، حسب بيانات المؤسسة وتقارير إعلامية.
كذلك تعرضت منشأة لخلط الزيوت وتعبئتها لهجوم آخر، فيما أفادت تقارير بأن محطة لتحلية المياه داخل المجمع النفطي تعرضت أيضًا للاستهداف.
وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار الهجمات قد يدفعها إلى إعلان القوة القاهرة ووقف عمليات مصفاة الزاوية بالكامل، فيما أعلنت حالة طوارئ قصوى في محيط المجمع النفطي، ودعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتحقيق في الهجمات وتأمين المنشآت والعاملين.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات حتى الآن، كذلك لم تحدد السلطات الليبية رسمياً الجهة التي تقف وراء استخدام الطائرات المسيَّرة.
تقع المصفاة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، وتبلغ طاقتها التصميمية نحو 120 ألف برميل يومياً، ما يجعلها أكبر مصفاة عاملة في ليبيا حالياً. وترتبط المصفاة بمنظومة إنتاج النفط ونقله، كذلك تتصل بحقل الشرارة النفطي، أحد أكبر الحقول في البلاد.
ويرى خبراء في قطاع النفط أن استهداف خزان للوقود داخل منطقة تضم منشآت مترابطة يرفع مستوى المخاطر، حتى إذا بقيت وحدات التكرير نفسها بعيدة عن الأضرار.
وقال المحلل في قطاع الطاقة، حسين الصديق، لـ"العربي الجديد" إن "الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط بالخزان الذي تعرّض للاستهداف، بل باحتمال انتقال الأضرار إلى البنية التحتية المرتبطة بالمصفاة، مثل خطوط الأنابيب ووحدات التشغيل والخزانات الأخرى". وأضاف أن استمرار الهجمات يمكن أن يجبر إدارة المنشأة على العمل في ظروف تشغيلية أصعب، وقد يؤدي إلى توقفات احترازية حتى في حال عدم إصابة وحدات التكرير بصورة مباشرة.
وقود غربيّ ليبيا مهدّد
أكد الصديق أن أهمية مصفاة الزاوية لا تقاس فقط بطاقة التكرير البالغة 120 ألف برميل يومياً، بل بموقعها داخل شبكة متكاملة تضم التكرير والتخزين والتوزيع.
وقال إن "تعطيل المصفاة، حتى لفترة قصيرة، يمكن أن يخلق ضغطاً على سوق الوقود في غرب ليبيا، لأن المسألة لا تتعلق بكمية النفط الخام التي يمكن تكريرها فقط، بل بكيفية إيصال البنزين والديزل والمنتجات الأخرى إلى المستهلك".
وأوضح أن نقل المنتجات من مناطق أخرى ممكن من الناحية اللوجستية، لكنه سيكون أكثر تكلفة ويحتاج إلى ترتيبات نقل وتخزين، كذلك قد يزيد الضغط على الموانئ والمستودعات.
وأضاف أن استمرار الهجمات قد يدفع المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة إلى زيادة المخزونات الاحتياطية في مواقع آمنة، وإعادة توزيع الشحنات لتقليل الاعتماد على نقطة واحدة.
وأشار إلى أن استهداف منشآت التخزين قد يكون أكثر تأثيراً على المدى القصير من استهداف وحدة تكرير، لأن فقدان الخزان يعني فقدان كمية جاهزة للتوزيع في السوق، بينما يمكن أحياناً استمرار تشغيل وحدات المصفاة إذا لم تتضرر البنية الأساسية.
من جهته، قال المحلل الاقتصادي أبو بكر الهادي إن "السوق الليبية حساسة جداً لأي اضطراب في الوقود، لأن البنزين والديزل لا يرتبطان بالنقل فقط، بل بالنقل التجاري وتوليد الكهرباء والخدمات والإنتاج".
وأضاف لـ"العربي الجديد" أن أي نقص في الوقود الرسمي قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على السوق الموازية، وهو ما قد يخلق فارقاً في الأسعار ويزيد الأعباء على المواطنين والشركات.
ويرى أن الخطوة التي اتخذتها شركة البريقة بتفريغ الخزانات المجاورة وتوزيع البنزين على المحطات يمكن أن تساعد في منع حدوث أزمة فورية، لكنها لا تمثل حلاً طويل الأجل إذا استمرت الهجمات.
ويحذر من أن اضطراب إمدادات الوقود قد يتحول سريعاً إلى مشكلة اقتصادية أوسع، لأن ارتفاع تكلفة النقل ينعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات.
أزمة المصرف المركزي
في سياق الاضطرابات النفطية والاقتصادية، تأتي استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، إذ أكدت مصادر مقربة منه لـ"العربي الجديد" أنّ طلبه الإعفاء من منصبه جاء على خلفية عدم تعاون الأطراف المنقسمة في الدولة بشأن ضبط الإنفاق العام وتوريد عوائد النفط إلى المصرف المركزي، في وقت تتواصل فيه الخلافات السياسية والمؤسسية بشأن إدارة الموارد العامة.
وأضافت المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، أن عيسى يرى أن استمرار الخلافات بشأن الإنفاق العام وتدفقات الإيرادات النفطية يحد من قدرة المصرف المركزي على أداء مهامه المتعلقة بالحفاظ على الاستقرار النقدي وإدارة النقد الأجنبي، في ظل تزايد الضغوط على سعر صرف الدينار والاحتياطيات.
وحسب المصادر نفسها، فإن المحافظ أبلغ الجهات المعنية بقراره، لكنه لم يكشف علناً عن جميع الأسباب التي دفعته إلى طلب الإعفاء، مشيراً إلى أن بعضها يرتبط بملفات "حساسة".
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات متزايدة تتعلق بتوحيد الإنفاق العام، وضمان توريد الإيرادات النفطية إلى القنوات الرسمية، والحد من توسع الإنفاق.
واعتبر أستاذ الاقتصاد في جامعة مصراتة، عبد الحميد الفضيل، في حديث لـ"العربي الجديد" أن استقالة المحافظ تمثل مؤشراً بالغ الخطورة على الوضع الاقتصادي في البلاد، محذراً من أن التطورات الحالية قد تكون أكثر كارثية مما يتصوره كثيرون.
وقال الفضيل لـ"العربي الجديد" إن الاستقالة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إداري، وإنما باعتبارها "جرس إنذار" يعكس عمق الأزمة المالية والنقدية التي تواجه ليبيا، مشيراً إلى مجموعة من العوامل التي يرى أنها تقف وراء هذه التطورات.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي أحمد المبروك، لـ"العربي الجديد" إن المشكلة الأساسية تكمن في العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، موضحاً أن "كل توسع غير ممول في الإنفاق يخلق طلباً إضافياً على العملة الأجنبية، والمصرف المركزي يجد نفسه في النهاية أمام مهمة احتواء آثار هذا الإنفاق على سعر الصرف".
وأضاف لـ"العربي الجديد" أن استمرار الاعتماد على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي خلاف بشأن إنتاج النفط أو توريد عائداته أو طريقة توزيعها.