رؤية اقتصادية: كيف يمهد الاتفاق الجديد لطفرة استثمارية في المنطقة؟
19 Jun, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
يحمل التوقيع الإلكتروني الأخير على مذكرة التفاهم الأولية بين واشنطن وطهران أبعاداً جيو-اقتصادية قد تغير وجه المنطقة، حيث يفتتح الاتفاق نافذة دبلوماسية مدتها شهران للتوصل إلى تسوية شاملة للملف النووي وأمن الممرات المائية.
تكمن الأهمية القصوى لهذا التطور في شقه الاقتصادي؛ إذ إن الوقف الفوري للأعمال العسكرية وإعادة تشغيل مضيق هرمز كقناة حيوية للتجارة العالمية سيؤديان حتماً إلى تعزيز البيئة الاستثمارية وتأمين سلاسل الإمداد، وهو ما سينعكس إيجاباً على النمو المستدام واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي عبر تقليص المخاطر الجيوسياسية.
كما يوفر استئناف الملاحة عبر المضيق متنفساً مهماً لاقتصادات المنطقة بعد أشهر من التوترات الأمنية التي أثرت على سلامة الممرات البحرية وحركة صادرات النفط، وانعكست سلباً على مؤشرات النمو والاستثمار في العديد من دول المنطقة.
وتشمل مذكرة التفاهم، التي نشرتها وكالات أنباء، ملمحاً اقتصادياً بارزاً يتمثل بـ"صندوق إعادة الإعمار والتنمية" البالغة قيمته 300 مليار دولار، والمنصوص عليه ضمن التفاهمات الاقتصادية المرتبطة بالمذكرة، والذي يمثل حلاً مبتكراً صاغته واشنطن لتجنب دفع تعويضات مباشرة لإيران قد تثير غضب الكونغرس، محولة المطالب الإيرانية بالتعويض عن أضرار الحرب إلى "فرص استثمارية" يمولها بالكامل القطاع الخاص والشركات الخليجية والآسيوية والأميركية، وهو ما يمثل فرصة موازية لبسط النفوذ الخليجي في إطار تشكيل "رادع اقتصادي" لإيران مستقبلاً، حسبما أورد تقدير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies - CSIS)، المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسات الدولية، في 16 يونيو/ حزيران الجاري.
كذلك تنص المذكرة على إعطاء أولوية لمشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات والصناديق الخليجية للمنافسة على عقود طويلة الأجل في السوق الإيرانية خلال مرحلة إعادة الإعمار.
ورغم التزام مستثمرين بالفعل بأكثر من نصف هذا المبلغ وفق مصادر لرويترز، فإن فك هذا الصندوق وضخ الاستثمارات يظلان مشروطين بمدى التزام طهران تعهداتها الأمنية وتفكيك برنامجها النووي وقبول التفتيش الصارم، ما يجعل هذه الحزمة المالية أداة ضغط فاعلة بيد الإدارة الأميركية تضمن الامتثال الإيراني طويل المدى، وليست تفويضاً مطلقاً لطهران، وفق محللين.
وتثير قضية فك تجميد الأموال الإيرانية في المصارف الخليجية حساسية تنظيمية وجيوسياسية بالغة، تجسدت في التناقض الصارخ بين تسريبات إعلامية زعمت موافقة الإمارات على الإفراج عن مبالغ تراوح بين 10 و20 مليار دولار لحماية أمن موانئها ومنشآتها عقب هجمات طاولت ميناء الفجيرة، والنفي الرسمي الحازم لوزارة الخارجية الإماراتية التي وصفت تلك الأنباء بالمختلقة تماماً والعارية من الصحة.
وعلى الصعيد المالي، أدى إعلان التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز إلى هبوط فوري في أسعار خام برنت لتستقر دون حاجز 80 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ أشهر، وهو مستوى يفرض ضغوطاً متباينة على الميزانيات السيادية لدول الخليج التي تعتمد على أسعار نفط مرتفعة لتمويل مشاريعها التنموية الكبرى، ومع ذلك فإن انخفاض أسعار الطاقة وكلف التأمين البحري والشحن يسهم بشكل فعال في كبح التضخم الإقليمي واستعادة النشاط الطبيعي لقطاعات النقل والسياحة والتجارة والبتروكيماويات، وهو ما قد يدفع دول الخليج نحو تعزيز التنسيق الاقتصادي الجماعي بدلاً من الحلول الفردية لتأمين سلاسل التوريد وتطوير البنية التحتية اللوجستية المشتركة، حسب تقرير نشرته منصة مورنينغ ستار (Morningstar)، المتخصصة في أبحاث الاستثمار وتحليلات الأسواق المالية، في 17 يونيو الجاري.
ويسهم تشابك المصالح الاقتصادية، عبر "سلاح الاستثمار"، حسب تقدير آخر نشرته منصة "مودرن دبلوماسي" الأميركية في 17 يونيو الجاري، في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال بناء شبكة أمان تجعل كلفة العودة للمواجهات العسكرية باهظة للجميع، حيث تتصدر قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والتصنيع والنقل قائمة المجالات الأكثر جذباً لرؤوس الأموال الخليجية في السوق الإيرانية الواعدة.
ومع ذلك، فالتقدير ذاته لا يعتبر هذا التحول بمثابة انتقال "كامل" من منطق الردع العسكري إلى الردع الاقتصادي القائم على الاستثمارات، إذ تظل العوامل السياسية والأمنية وسرعة تأثر التفاهمات بأي تصعيد ميداني هي المحدد الرئيسي لمستقبل العلاقات، ما يدفع المستثمرين الخليجيين إلى التريث بانتظار ضمانات قانونية وأمنية مستدامة تحميهم من مخاطر الانتكاسة الجيوسياسية المفاجئة.
قاعدة رابح-رابح من وقف الحرب
يؤكد الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانه، لـ"العربي الجديد"، أن مذكرة التفاهم الموقعة ليست سوى "إطار عمل" للتفاوض، وأن المرحلة المقبلة ستتركز على المفاوضات التفصيلية للوصول إلى اتفاق نهائي، لافتاً إلى أن فترة التفاوض المحددة بستين يوماً قد تُمدد باتفاق الطرفين كما تنص المذكرة، وأن فهم نتائج الحرب في كل دولة خليجية قد لا يكون متشابهاً بالضرورة، وبالتالي إن الاستجابة لها تختلف من بلد خليجي لآخر بناءً على حسابات المصالح والقدرات.
فالسعودية وقطر تتجهان، حسبما يرى زوانه، لاستخدام قدراتهما المالية والاستثمارية في إيران لتوفير الأرضية المناسبة للأوضاع الحالية، مستندتين إلى أسلوب دبلوماسي يصفه زوانه بأنه "شديد الانضباط خلال فترة الصراع"، إضافة إلى قناعة راسخة بأن المنتصر الاستراتيجي ليس الولايات المتحدة ولا إسرائيل، ما يدفعهما إلى المبادرة بدراسة آفاق التعاون والاستثمار في إيران على قاعدة "رابح-رابح"، وهو النهج نفسه الذي تسلكه سلطنة عمان مدعومة بموقعها الجغرافي الحيوي ودورها المحوري في مضيق هرمز.
وعلى النقيض من ذلك، يرجح زوانه أن تتأخر الكويت والبحرين في اتخاذ أي خطوات جادة نحو الانفتاح على إيران، بينما تواجه الإمارات مهمة أصعب تتطلب فترة زمنية أطول لإيجاد فرصة للقبول المتبادل بينها وبين إيران، ما يعني أن العنصر "الجيو-اقتصادي" سيلعب دوراً فاعلاً ومحورياً في تشكيل العلاقات الإقليمية خلال الفترة القادمة، حسب تقديره.
ويضيف زوانه أن هذا التحول يرافقه توجه واضح لـ"حدود القوة" الأميركية وتهاوي الادعاء بتغيير إسرائيل لكامل الشرق الأوسط، حيث يبدو المشروع الإسرائيلي فاشلاً في السيطرة على الأرض اللبنانية التي خرج منها عام 2000 بعد خسائره المستمرة أمام المقاومة، ما يعكس تراجعاً في الهالة العسكرية والسياسية التي كان يتمتع بها.
ويصاحب هذا المشهد امتداد للجغرافيا الاقتصادية والسياسية بين السعودية ومصر وسورية والأردن، حيث ستكون السعودية، حسب تقدير زوانه، مركز الثقل الإقليمي الذي يضم بقية دول الخليج العربي لمثل هذه التحالفات الاستراتيجية، بهدف تقليل مخاطر البعد العسكري الذي ثبت ارتفاع كلفته ومخاطره دون تحقيق عوائد ملموسة، خصوصاً مع توقع انكفاء أميركي داخلي بعد نتائج الحرب على إيران وتأثير تجربة حرب فيتنام على المزاج في واشنطن، فضلاً عن تغير موقف الشارع الأميركي سلباً تجاه إسرائيل، وإيجابياً تجاه القضية الفلسطينية.
فرضية السلام الاقتصادي
في السياق، تشير الخبيرة في الشأن الإيراني، شيماء المرسي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن دول الخليج تبنت، بعد تداعيات الحرب واستهداف إيران للبنى التحتية الخليجية، عقيدة سياسية جديدة ترتكز على تصغير الأزمات وصناعة الاستقرار الإقليمي شرطاً موضوعياً لإنجاح الرؤى التنموية المحلية مثل رؤية السعودية 2030. وفي هذا السياق تحول الاستثمار من مجرد أداة لتحقيق عوائد مالية إلى أداة دبلوماسية وقائية تهدف إلى منع عودة المواجهات العسكرية مع طهران بالاستناد إلى فرضية "السلام الاقتصادي".
وتبقى قدرة هذه الأداة الدبلوماسية على ترسيخ الاستقرار محكومة بالكلفة المتبادلة لأي تصعيد، فعندما تصبح لإيران مصالح حيوية ومباشرة في استدامة تدفق رؤوس الأموال الخليجية، وللدول الخليجية أصول مادية داخل الجغرافيا الإيرانية، فإن كلفة قرار الحرب أو التصعيد العسكري ترتفع لدى الطرفين بشكل كبير، كذلك إن الانخراط الاقتصادي لعواصم خليجية قد يدعم التيارات البراغماتية داخل مؤسسة الحكم الإيرانية التي تفضل التنمية الداخلية وتقليص العقوبات على حساب التمدد الإقليمي المكلف، كما توضح المرسي.
ومع دخول مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية حيز التنفيذ وبدء المسار التفاوضي الخاص برفع العقوبات الأساسية، ترجح المرسي أن يمثل الاقتصاد الإيراني بسوقه الضخم وبنيته التحتية المتهالكة أرضاً خصبة لفرص استثمارية هائلة، غير أن انخراط رؤوس الأموال الخليجية سيكون حذراً وتدريجياً ومقتصراً على قطاعات محددة تمثل مصلحة مشتركة، حيث تأتي مشروعات الطاقة والتطوير المشترك للحقول في طليعة هذه القطاعات، كحقل الدرة وحقل اللولو/إسفنديار والترتيبات المحيطة بهما.
كذلك جاء نص المذكرة متضمناً بالفعل لمسار تدريجي لرفع العقوبات وربطه بمراحل تنفيذ الالتزامات الإيرانية، وهو ما قد يحدّ من مخاطر الصدمات المفاجئة للمستثمرين مقارنة بسيناريوهات الرفع الفوري والشامل للعقوبات، حسب المرسي.