في مشهد دراماتيكي يعيد رسم خارطة الثقة المالية في المنطقة العربية، حققت الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية انتصاراً مدوياً، بينما تلقى القطاع المالي العراقي ضربة موجعة.
ففي جلسة عامة حابسة للأنفاس عُقدت بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس، أسدلت مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) الستار عن قرارها الحاسم يوم أمس الجمعة: الإفراج الرسمي عن الجزائر وشطبها نهائياً من "القائمة الرمادية" للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، بعد نجاحها في تحديث منظومتها التشريعية والمالية لتطابق المعايير الصارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ولم تكد أصداء الاحتفال الجزائري تخفت، حتى جاءت الصدمة من الجانب الآخر؛ حيث أعلنت المجموعة إدراج العراق رسمياً في ذات القائمة الرمادية، ليجد القطاع المصرفي والمالي العراقي نفسه تحت مجهر الرقابة الدولية اللصيقة، في خطوة ستفرض عليه قيوداً وضغوطاً هائلة لإثبات نزاهة معاملاته المالية وصياغة حزمة إصلاحات عاجلة.
ووصف بنك الجزائر في بيان له قرار "غافي" بأنه "يعكس تعزيز ثقة المجتمع الدولي في صلابة النظام المالي الجزائري ومرونته، ويترجم الأهمية الاستراتيجية التي توليها أعلى سلطات الدولة للقضايا المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل"، وأشار إلى أن النتائج التي حصلت عليها الجزائر "تعتبر دليلاً ملموساً على إرادتها السياسية وفعالية إصلاحاتها والتزامها بالامتثال للمعايير الدولية الأكثر تطلبا من حيث السلامة المالية والشفافية الاقتصادية، مما يعزز التقدم الكبير الذي أحرزه البلد في تعزيز نظامه الوطني لمنع ومكافحة الجريمة المالية".
وجاء القرار بعد استكمال الجزائر لخطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي، والتي تضمنت سلسلة من الإصلاحات القانونية والتنظيمية والمؤسساتية الرامية إلى تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتحسين فعالية الرقابة على التدفقات المالية والمعاملات الاقتصادية.
وخلال الاجتماع، أشادت الدول الأعضاء بالتقدم الذي حققته الجزائر في تنفيذ التوصيات المعتمدة، وبالالتزام الذي أبدته السلطات العمومية في قيادة الإصلاحات ومتابعة تنفيذها، كما نوهت المجموعة بتعزيز آليات الامتثال والشفافية، وتطوير أدوات الرقابة المالية، وتحسين التنسيق بين مختلف الهيئات المكلفة بمكافحة الجرائم المالية.
واعتبرت المجموعة، في تقييمها الأخير، أن الجزائر نفذت خمسة إصلاحات أساسية ضمن خطة حكومية شاملة للوقاية من تبييض الأموال والأنشطة المالية المشبوهة، بهدف معالجة الملاحظات التي أدت إلى إدراجها في القائمة الرمادية.
وشملت هذه الإصلاحات تحسين الرقابة القائمة على تقييم المخاطر، خصوصاً في القطاعات الأكثر عرضة للمخاطر، من خلال اعتماد إجراءات جديدة، وإعداد تقييمات للمخاطر، ووضع أدلة ومبادئ توجيهية للرقابة، إلى جانب تكثيف عمليات التفتيش وتطبيق عقوبات فعالة ومتناسبة ورادعة.
كما تضمنت الإصلاحات تطوير إطار فعال للوصول إلى المعلومات الأساسية المتعلقة بالملكية المستفيدة، وتعزيز نظام الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، وإنشاء إطار قانوني ومؤسسي للعقوبات المالية المستهدفة المرتبطة بتمويل الإرهاب.
وشملت الخطة أيضاً اعتماد نهج قائم على المخاطر في الإشراف على المنظمات غير الربحية، بما يضمن منع إساءة استخدامها في أنشطة غير مشروعة، من دون تعطيل أو تثبيط أنشطتها القانونية.
ويُعد هذا القرار تتويجاً لمسار من الإصلاحات التي شملت تحديث الإطار التشريعي والتنظيمي، وتعزيز إجراءات التعرف على العملاء ومراقبة العمليات المشبوهة، وتطوير تبادل المعلومات المالية، إلى جانب تعزيز التعاون مع الهيئات الدولية المختصة في مكافحة الجرائم المالية.
وأُدرجت الجزائر على القائمة الرمادية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عندما أعلنت مجموعة العمل المالي الدولية إخضاعها لمراقبة معززة، إلى جانب دول أخرى، بسبب وجود نقائص استراتيجية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي يوليو/حزيران 2025، كان البرلمان الأوروبي قد صادق على لائحة لإدراج الجزائر ضمن لائحة الدول المصنفة عالية المخاطر في مجال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، حيث ستخضع المعاملات المالية من وإلى الجزائر، لإجراءات تحقق دقيقة ومراقبة مشددة، وذلك في إطار سياسة أوروبية جديدة تهدف إلى الحد من مخاطر التدفقات المالية غير المشروعة وتعزيز آليات تتبع رؤوس الأموال العابرة للحدود.
وفي مايو/أيار الماضي قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن الجزائر بصدد الخروج من المنطقة الرمادية لهذه المجموعة، وكشف أن الأخيرة أبدت تقييماً إيجابياً للتدابير التي اتخذتها الجزائر، وأن الخروج من المنطقة الرمادية سيتم في غضون فترة قصيرة.
ومن المتوقع أن ينعكس القرار إيجاباً على صورة الجزائر لدى المؤسسات المالية الدولية والبنوك الأجنبية والمستثمرين، من خلال تقليص مستويات التدقيق الإضافي على المعاملات المالية، وتسهيل التحويلات الدولية، وتعزيز جاذبية البلاد للاستثمار، فضلاً عن دعم الثقة في النظام المالي والاقتصادي الوطني.
دخول العراق والبوسنة
وفي السياق ذاته، أدرجت مجموعة العمل المالي، اليوم الجمعة، كلّاً من العراق والبوسنة والهرسك على القائمة الرمادية للدول الخاضعة لمراقبة مشددة في مجال مكافحة غسل الأموال والجرائم المالية.
وقالت رئيسة المجموعة، إليسا دي أندا مادرازو، إن إدراج العراق على القائمة الرمادية جاء بسبب الحاجة إلى معالجة المخاطر المرتبطة بالنقد، وزيادة التحقيقات في قضايا غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز استخدام المعلومات المالية.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، منذ توليه المنصب في مايو/أيار، أن إعادة بناء الاقتصاد وجذب الاستثمار الأجنبي ومكافحة الفساد ستكون ضمن أولويات حكومته، قبل زيارة مقررة إلى واشنطن في يوليو/حزيران لتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وتُستخدم القائمة الرمادية لمتابعة الدول التي أبدت التزاماً بإصلاح أنظمتها المالية، لكنها لا تزال في حاجة إلى تنفيذ إجراءات إضافية تحت إشراف المجموعة، أما شطب دولة منها فيعكس اقتناع المجموعة بأن الإصلاحات المطلوبة قد أُنجزت بصورة كافية وفعالة.
العربي الجديد
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس ( تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي:
https://x.com/economic360