بعد مرور عشر سنوات على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، لا يزال المشهد البريطاني منقسماً حول جدوى هذه الخطوة.
وتتزامن هذه الذكرى مع تراجع ملحوظ في الدعم الشعبي لـ "بريكست" بحسب استطلاعات الرأي، وسط مؤشرات اقتصادية متباطئة وأزمات سياسية متتالية، كما يواجه حزب العمال الحاكم خلافات داخلية متصاعدة بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية مع أوروبا، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لعدم تحقق الوعود البراقة التي رافقت حملة الانفصال، وفقاً لتقارير إعلامية بريطانية وأوروبية ونقلاً عن وكالة فرانس برس.
تقارب تدريجي وإعادة ضبط العلاقات
لا تطرح الحكومة البريطانية حالياً فكرة العودة إلى عضوية الاتحاد، بل تتحدث عن “إعادة ضبط” العلاقات مع بروكسل وتعزيز التعاون في الملفات الاقتصادية والأمنية.
وبحسب تقارير نقلتها وكالة فرانس برس، فإن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يفضل نهج التقارب التدريجي مع أوروبا بدلاً من إعادة فتح ملف العضوية، في حين تبرز داخل حزب العمال شخصيات ترى أن بريكست كان خطأً استراتيجياً، وأن بريطانيا ستحتاج مستقبلاً إلى بناء علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، يشير دبلوماسيون أوروبيون إلى أن أي نقاش من هذا النوع يتطلب قبولاً بريطانياً كاملاً بقواعد الاتحاد والتزاماته المالية والسياسية، وهو أمر لا يزال بعيد المنال في ظل الانقسام الداخلي البريطاني.
حصيلة اقتصادية موضع جدل
وتشير بيانات المكتب الوطني للإحصاءات البريطاني التي أوردتها وسائل إعلام غربية إلى تراجع صادرات السلع البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي من نحو 205 مليارات جنيه إسترليني عام 2016 إلى 185 ملياراً عام 2025، بينما ارتفع العجز التجاري مع الاتحاد خلال الفترة نفسها.
في حين بيّنت تقديرات نقلتها صحيفة الغارديان، أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد والاستثمارات في بريطانيا جاءا دون المستويات التي كان يمكن تحقيقها لو بقيت البلاد داخل الاتحاد الأوروبي، فيما قدر مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني خسائر الاقتصاد المرتبطة ببريكست بما يتراوح بين 6 و8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو الخروج أن الاقتصاد البريطاني تجنب السيناريوهات الكارثية التي جرى التحذير منها قبل الاستفتاء، وأن العديد من المشكلات الاقتصادية الحالية ترتبط بعوامل داخلية ودولية، بينها تباطؤ النمو العالمي وتداعيات جائحة كورونا وارتفاع تكاليف الطاقة، أكثر مما ترتبط ببريكست نفسه.
الهجرة.. الملف الذي لم يحسم
وتشير البيانات الرسمية البريطانية إلى أن الهجرة القادمة من دول الاتحاد الأوروبي تراجعت بشكل ملحوظ بعد إنهاء نظام حرية التنقل، إلا أن الهجرة من خارج الاتحاد ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات اللاحقة.
ووفق إحصاءات المكتب الوطني البريطاني التي نقلتها فرانس برس وصل صافي الهجرة إلى نحو مليون شخص عام 2023، قبل أن يتراجع إلى 308 آلاف شخص في عام 2025، وجميعهم تقريباً من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع منتقدي بريكست إلى القول: إن أحد أبرز أهداف الخروج لم يتحقق بالشكل الذي وعد به الناخبون.
أزمة سياسية داخل حزب العمال الحاكم
ويتزامن الجدل حول حصيلة بريكست مع أزمة سياسية متصاعدة داخل حزب العمال الحاكم، فالتقارير الإعلامية البريطانية تتحدث عن ضغوط متزايدة على رئيس الوزراء كير ستارمر في ظل تراجع شعبيته وتصاعد الانتقادات لأداء الحكومة في ملفات الاقتصاد والخدمات العامة والهجرة.
وذكرت وكالة رويترز أن تكهنات واسعة انتشرت خلال الأيام الأخيرة حول احتمال إعلان ستارمر جدولاً زمنياً لمغادرة منصبه، بعدما طالب أكثر من مئة نائب من حزب العمال بتحديد موعد لرحيله أو التنحي، في وقت يبرز فيه آندي بورنهام باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافته.
ورغم نفي مصادر حكومية وجود قرار بالاستقالة حتى الآن، فإن هذه التطورات تعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة البريطانية بعد عامين فقط من وصول حزب العمال إلى السلطة بأغلبية كبيرة.
علاقة جديدة لا عودة كاملة
وبينما تستعد لندن وبروكسل لعقد قمة جديدة الشهر المقبل لمراجعة مسار العلاقة بين الجانبين، تبدو التوقعات بعيدة عن أي تحول جذري، فالمؤشرات الحالية ترجح استمرار سياسة التعاون البراغماتي في ملفات التجارة والدفاع والطاقة وتنقل الشباب، دون أن تصل إلى مستوى البحث الجدي في عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ووفقاً لصحيفة الغارديان، بعد عشر سنوات على بريكست، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فلا الاتحاد الأوروبي انهار كما توقع البعض، ولا بريطانيا حققت الطفرة الاقتصادية التي وُعد بها الناخبون.
شبكة تواصل الإخبارية
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس ( تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي:
https://x.com/economic360