يتواصل لليوم الثاني على التوالي الإضراب القطاعي الذي ينفذه أعوان البنوك وشركات التأمين ومؤسسات الإيجار المالي في تونس، وسط تفاوت في نسب المشاركة بين الجهات والمؤسسات المالية، في ظل تعثر المفاوضات الاجتماعية المتعلقة بالمطالب المهنية والمالية للعاملين في القطاع.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المؤسسات المالية اضطراباً في وتيرة الخدمات، تدرس الهياكل النقابية خيارات تصعيدية جديدة قد يتم الإعلان عنها خلال الفترة المقبلة، للضغط من أجل استئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالب العاملين، وذلك في حال استمرار حالة الجمود وعدم إحراز تقدم في الحوار مع الجهات المعنية.
وأعلنت الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية أن نسبة المشاركة في الإضراب خلال اليوم الأول ناهزت 87%، فيما بلغت 100% في بعض المحافظات التي توقفت فيها الخدمات المالية والمصرفية بشكل كامل.
وأكد كاتب عام جامعة البنوك والمؤسسات المالية، سامي الصالحي، أن النقابات ماضية في تنفيذ الإضراب، وسط التزام تام من أغلب القواعد النقابية بالتراتيب وعدم الحضور إلى مقرات العمل، ما أدى إلى غلق أغلب الوكالات التجارية وتوقف شبه كامل للعمليات المالية.
وقال الصالحي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن نسبة الالتزام بالإضراب شهدت تبايناً بين المحافظات، حيث سجلت بعض الجهات الداخلية نسب مشاركة مرتفعة قاربت الشلل شبه التام للخدمات البنكية، فيما كانت الاستجابة أقل في عدد من المناطق الساحلية والعاصمة، مع استمرار نشاط محدود ببعض الفروع.
كما برز تفاوت واضح بين البنوك العمومية والخاصة، إذ عرفت المؤسسات البنكية العمومية انخراطاً أكبر في الإضراب مقارنة بالبنوك الخاصة، التي حافظ عدد منها على حد أدنى من الخدمات، بفضل حضور جزء من الأعوان والإطارات.
وأوضح الصالحي أن المشاركة الأوسع جاءت من قبل الموظفين والأعوان المنتمين إلى الهياكل المهنية المتوسطة، في حين كانت نسبة انخراط الإطارات العليا والمسؤولين الإداريين أقل نسبياً، وهو ما انعكس على سير العمل داخل بعض المؤسسات التي واصلت تأمين بعض الخدمات الأساسية رغم الإضراب.
ويأتي هذا التحرك بدعوة من الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، احتجاجاً على ما تعتبره تعثراً في المفاوضات المتعلقة بالزيادة في الأجور وتحسين ظروف العمل، إلى جانب جملة من المطالب المهنية والاجتماعية التي لا تزال محل خلاف مع الجانب المشغل.
وبحسب كاتب عام جامعة البنوك والمؤسسات المالية، سامي الصالحي، تتابع الهياكل النقابية ميدانياً مدى الالتزام بالإضراب في مختلف المؤسسات، تمهيداً لعرض حصيلة التحرك على المجلس القطاعي الذي سيجتمع خلال الفترة المقبلة لتقييم نتائجه واتخاذ القرارات المناسبة بشأن الخطوات القادمة.
ولا تستبعد النقابات اللجوء إلى أشكال احتجاجية تصعيدية جديدة في حال عدم التوصل إلى اتفاق يلبي مطالب العاملين بالقطاع، من بينها تنظيم تحركات ميدانية داخل مقرات العمل، وهي مقترحات ستُطرح للنقاش داخل المجلس القطاعي قبل الحسم فيها.
ويُعد القطاع البنكي من القطاعات الحيوية في الاقتصاد التونسي، إذ يؤثر تعطل نشاطه في المعاملات المالية للأفراد والمؤسسات، وكذلك في عمليات التحويل والخلاص وتمويل الأنشطة الاقتصادية.
وواجهت نقابات البنوك انتقادات حادة بسبب الإضراب من قبل طيف من التونسيين الذين اعتبروا أن احتجاج موظفي القطاع المالي يُستعمل لأغراض سياسية هدفها عرقلة النشاط الاقتصادي في البلاد، في ظرف اقتصادي صعب.
في المقابل، تصرّ الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية على أن تحركها مهني بحت، ويهدف إلى الدفاع عن الحقوق المهنية للموظفين وتحصيل الزيادات المتأخرة لسنة 2025. وكانت البنوك قد صرفت، بداية مايو/أيار الماضي، زيادات في رواتب الموظفين لسنة 2026 بنسبة 5%، التزاماً بالأوامر الحكومية الصادرة بشأن نسب الزيادة في القطاعين العام والخاص.
ويتكون القطاع البنكي في تونس من 23 بنكاً تجارياً مقيماً، وثمانية بنوك غير مقيمة، وبنكي أعمال، يشرف على هيكلتها البنك المركزي التونسي، فيما ينضوي أغلبها تحت لواء المجلس المالي والبنكي. وتنقسم البنوك التجارية والمؤسسات المالية، التي تشغل نحو 25 ألف موظف، إلى عدة فئات رئيسية وفق الملكية وطبيعة النشاط، بينما تستحوذ الدولة على رؤوس أموال ثلاثة بنوك كبرى جرت إعادة رسملتها سنة 2015 بقيمة مليار دولار.