يواصل الذكاء الاصطناعي ترسيخ مكانته كأحد أبرز التحولات التقنية في العصر الحديث، وسط انقسام في الآراء بشأن تأثيراته على مستقبل سوق العمل، ففي الوقت الذي يُنظر إليه باعتباره أداة قادرة على تعزيز الإنتاجية وتسريع الابتكار وتحسين جودة الحياة، تتزايد المخاوف من أن يؤدي إلى تغييرات عميقة في هيكل الوظائف، مع احتمال اختفاء العديد من المهن التقليدية.
ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يحتدم النقاش عالمياً حول تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، إذ يرى محللون أن هذه التكنولوجيا ستسهم في خلق وظائف ومهن جديدة، لكنها في المقابل ستفرض تحديات كبيرة على العمالة الحالية، وتزيد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل التوظيف وطبيعة العمل خلال السنوات المقبلة.
صحيفة "وول ستريت جورنال" فتحت هذا الملف عبر نقاش موسع حول تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، مستعينة بثلاثة من أبرز اقتصاديي العمل في الولايات المتحدة، فقدّم كل منهم زاوية مختلفة لفهم التحولات المقبلة وهم أستاذ الاقتصاد في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" الذي يمثل التيار المتفائل ديفيد أوتور وأستاذ الاقتصاد في "جامعة فيرجينيا" أنطون كورينك الذي يقدم رؤية تحذيرية متشائمة نسبياً، وأخيراً مديرة مختبر الموازنة بجامعة "ييل" مارثا غيمبل التي تتبنى مقاربة وسطية تحاول الموازنة بين الفرص والأخطار.
ويعكس هذا التباين حال عدم اليقين العميقة التي تسيطر على النقاش الاقتصادي العالمي، إذ لا يزال من غير الواضح حجم الوظائف التي قد تختفي، أو تلك التي ستُخلق، أو حتى طبيعة العلاقة المستقبلية بين الإنسان والعمل.
الذكاء الاصطناعي وسوق العمل
يرى أنطون كورينك أن الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى تحول اقتصادي يشبه الثورة الصناعية، ولكن بوتيرة أسرع وأكثر عمقاً.
فخلال القرن الـ19، أصبح العمل البشري هو المورد النادر، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأجور في الاقتصادات المتقدمة.
إلا أن تطور أنظمة قادرة على أداء المهمات الذهنية والجسدية بمستوى بشري قد يعيد تغيير هذه المعادلة جذرياً.
وبحسب كورينك، فإن العمل قد يفقد مكانته كمورد نادر، مما يؤدي إلى تراجع حصة العمال من الدخل من نحو 60 في المئة حالياً إلى ما دون 50 في المئة خلال العقود المقبلة، وربما أقل من ذلك.
ويرى أن هذا التحول قد يعيد تشكيل أسس توزيع الدخل في الاقتصاد العالمي، فلا يعود الأجر مرتبطاً مباشرة بقيمة العمل في السوق كما هو الحال اليوم.
في المقابل، يرفض ديفيد أوتور فكرة "الانهيار الوظيفي" الناتج من الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التكنولوجيا عبر التاريخ لم تُلغِ العمل بل أعادت تشكيله، ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مسارات متعددة، أتمتة بعض المهمات وتعزيز مهمات أخرى وخلق وظائف جديدة بالكامل.
ويؤكد أن الاقتصاد الحديث لا يزال يعتمد على المهارات البشرية الأساسية مثل الحكم الأخلاقي والتفكير النقدي والتعاطف، وهي عناصر يصعب على الآلات استبدالها بالكامل، بالتالي فإن مستقبل العمل لن يكون إلغاءً لدور الإنسان، بل إعادة توزيع له.
أما مارثا غيمبل، فتركز على طبيعة التحول نفسه أكثر من نتائجه النهائية، مشيرة إلى أن سرعة الابتكار التكنولوجي وسرعة خلق وظائف جديدة ستكونان بمثابة العامل الحاسم، وتوضح أن كثيراً من النقاش الحالي يقلل من أهمية العوامل الاقتصادية الكلية التي قد تؤثر في معدلات البطالة، بغض النظر عن التكنولوجيا وحدها، مضيفة أن التحولات الكبرى غالباً ما تكون غير متوقعة، وأن الاقتصادات أظهرت تاريخياً قدرة كبيرة على التكيف وخلق وظائف جديدة لم تكُن موجودة من قبل.
عدم اليقين في المدى القريب
ويشير كورينك إلى أن حال عدم اليقين حول مستقبل سوق العمل لا تقتصر على العقود المقبلة، بل تمتد حتى إلى المدى القصير.
فمع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، يصعب التنبؤ بصورة سوق العمل خلال 12 أو 24 شهراً وحسب، فيما قد يشهد العالم خلال 10 أعوام ظهور الذكاء الاصطناعي العام (AGI)الذي قد يغير قواعد الاقتصاد بالكامل.
وفي هذا السيناريو، يصبح من غير الممكن تحديد اتجاه واضح لمعدلات التوظيف أو البطالة، إذ قد تتأرجح في أي اتجاه وفق سرعة التطور التكنولوجي واستجابة الاقتصادات له.
الوظائف الجديدة والتحولات الاقتصادية
من جانبه يرفض ديفيد أوتور فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف بصورة شاملة، لافتاً إلى أن الحوسبة خلال العقود الماضية لم تُنهِ العمل البشري، بل خلقت وظائف جديدة بالكامل مثل علماء البيانات الذين لم يكُن لهم وجود قبل ظهور الكمبيوتر.
ويرى أن المستقبل سيشهد توسعاً في استخدام الذكاء الاصطناعي لتلبية حاجات غير ملبّاة في قطاعات مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، مما سيؤدي إلى ظهور أنماط جديدة من الوظائف.
لكن أوتور يحذر في المقابل من جانب آخر، يتمثل في الأخطار السياسية، إذ يعتقد بأن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في زيادة الاضطراب السياسي عبر نشر المعلومات المضللة وتعزيز النزعات السلطوية، مما قد يشكل تحدياً للديمقراطيات الحديثة.
أما غيمبل، فتشير إلى أن تخيّل عالم مختلف جذرياً ليس سهلاً، لكن التاريخ يثبت أن كل ثورة تكنولوجية سبقتها شكوك مماثلة، وتضيف أن ارتفاع الإنتاجية والدخل يغيران طبيعة الاستهلاك والطلب، مما يؤدي إلى ظهور قطاعات جديدة بالكامل.
وتؤكد أن التقليل من قدرة البشر على ابتكار أنواع جديدة من العمل كان دائماً رهاناً خاسراً في التاريخ الاقتصادي.
إعادة توزيع الدخل ومستقبل العمل
من جانبه يذهب كورينك إلى أبعد من ذلك، متوقعاً أنه في المدى الطويل سيصبح من الصعب على الأفراد الاعتماد وحسب على بيع قوة عملهم كما في النموذج الاقتصادي التقليدي منذ الثورة الصناعية، وقد يتطلب ذلك تطوير أنظمة جديدة لتوزيع الدخل لا تعتمد بصورة مباشرة على الأجور.
وفي هذا السياق، من الممكن أن يتراجع ارتباط الدخل بقيمة العمل السوقية، لمصلحة نماذج اقتصادية أكثر ارتباطاً بالإنتاجية العامة أو إعادة التوزيع الاجتماعي.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
يتفق الاقتصاديون الثلاثة على أن الوظائف المكتبية القائمة على معالجة المعلومات ستكون الأكثر عرضة للتأثر.
ويشير كورينك إلى أن ما يُعرف بـ"وظائف الحاسوب المحمول" مثل القانون والمالية والمحاسبة والاستشارات ستواجه ضغوطاً متزايدة نحو الأتمتة، حتى إن لم تختفِ بالكامل.
أما أوتور، فيرى أن الوظائف الأكثر عرضة تشمل موظفي مراكز الاتصال والمترجمين وبعض المدراء المتوسطين، إضافة إلى العاملين في مجالات الإعلانات والكتابة الإبداعية، خصوصاً في الدول النامية التي تعتمد على وظائف مكتبية منخفضة الكلفة لخدمة الاقتصادات المتقدمة.
ومع ذلك، يؤكد أوتور أن الذكاء الاصطناعي سيحقق مكاسب اقتصادية كبيرة، لكنه قد يخلق أيضاً أخطاء واضطرابات إذا لم تتم إدارته بصورة صحيحة.
ما الذي قد يبطئ انتشار الذكاء الاصطناعي؟
تتفق غيمبل وكورينك وأوتور على أن العنصر البشري سيظل عاملاً أساساً في إبطاء انتشار الذكاء الاصطناعي في بعض القطاعات، فكل ما يتطلب تواصلاً إنسانياً مباشراً سيكون أقل قابلية للأتمتة مثل رعاية الأطفال أو التعليم أو بعض مجالات الرعاية الصحية.
وترى غيمبل أن الناس لا يرغبون في استبدال البشر بالكامل بالآلات في هذه المجالات، مهما بلغت كفاءة التكنولوجيا.
ويضيف كورينك أن هناك حدوداً حالية لقدرات الذكاء الاصطناعي، بخاصة في التعلم الديناميكي والمهارات الجسدية مثل رعاية كبار السن، على رغم أن هذه الحدود قد تتقلص مع الوقت.
أما أوتور، فيشير إلى أن كثيراً من المهن التقليدية مثل التعليم والقانون، يتمتع بهياكل مهنية مقاومة للتغيير السريع، مما قد يبطئ وتيرة التحول، لكنه لن يمنعه بالكامل بسبب المكاسب الكبيرة في الإنتاجية.
في المحصلة، لا يتفق المحللون على مسار واحد لمستقبل الذكاء الاصطناعي، لكنهم يجمعون على حقيقة أساسية مفادها بأن العالم مقبل على تحول عميق في طبيعة العمل.
وبينما يرى بعضهم فرصة تاريخية لخلق وظائف جديدة وتعزيز الإنتاجية، يحذر آخرون من إعادة توزيع غير مسبوقة للدخل وفقدان الاستقرار الاقتصادي التقليدي.
ومع استمرار التطور السريع، يبقى السؤال المفتوح هل سيعيد الذكاء الاصطناعي تعريف العمل كما نعرفه، أم سيعيد وحسب تشكيله ضمن قواعد جديدة أكثر تعقيداً؟
اندبندنت عربية
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس (تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي: