تفاقمت أزمة السيولة مجدداً في المشهد الاقتصادي الليبي عقب قرار المصرف المركزي بتخفيض سقف السحب النقدي الشهري للأفراد إلى ألف دينار فقط خلال شهر يوليو، واشتكى العديد من المواطنين من تعذر الحصول على هذا السقف المالي نتيجة شح النقد في فروع المصارف وأجهزة الصراف الآلي.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذا الإجراء يؤكد عمق الضغوط المستمرة على القطاع المصرفي، ويوضح عدم قدرة التوسع في قنوات الدفع الإلكتروني على سد الفجوة النقدية حتى الآن.
يقول المواطن عبد الباسط الوداني لـ"العربي الجديد" إنه أمضى ساعات يتنقل بين أجهزة الصراف الآلي في العاصمة طرابلس أملاً في سحب ألف دينار، دون جدوى، يضيف: "لا يعقل أن يبحث المواطن بين جهاز وآخر للحصول على ألف دينار فقط، بينما أمواله مودعة في حسابه المصرفي".
وتكررت شكاوى مشابهة في مدن أخرى، إذ قال المتقاعد محمد المبروك لـ"العربي الجديد" إن قيمة السحب الحالية "لا تكفي لتغطية احتياجات أسرة لأيام معدودة"، مضيفاً أن الأزمة لا تقتصر على خفض سقف السحب، بل تمتد إلى عدم توافر السيولة النقدية في عدد من الفروع.
أما الموظفة سعاد الشريف، فتقول لـ"العربي الجديد" إن اعتماد الكثير من المؤسسات والمتاجر على الدفع النقدي يجعل الحصول على السيولة "ضرورة يومية"، مضيفة أنّ استخدام وسائل الدفع الإلكتروني لا يزال محدوداً في العديد من الأنشطة التجارية، خصوصاً لدى المشروعات الصغيرة والأسواق التقليدية.
وبدأت الأزمة تنعكس بصورة مباشرة على النشاط التجاري، إذ يقول صاحب محل لبيع المواد الغذائية في طرابلس، عز الدين شلابي، لـ"العربي الجديد"، إن خفض سقف السحب حدّ من القدرة الشرائية للمستهلكين، موضحاً أنّ عدداً من الزبائن يؤجلون مشترياتهم أو يطلبون الشراء بالدين إلى حين تمكنهم من سحب أموالهم، وأضاف أنّ التعاملات النقدية لا تزال تهيمن على جزء كبير من السوق الليبية، رغم توسع خدمات الدفع الإلكتروني خلال العامين الماضيين.
ويرى خبراء اقتصاديون أن خفض سقف السحب يمثل إجراءً تنظيمياً لإدارة النقد المتاح أكثر من كونه حلاً لأزمة السيولة. ويقول المصرفي معتز هويدي لـ"العربي الجديد" إن أزمة السيولة في ليبيا ترتبط بعوامل هيكلية، أبرزها توسع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع حجم الكتلة النقدية المحتفظ بها خارج الجهاز المصرفي، إلى جانب ارتفاع الطلب على النقد الورقي مقارنة بحجم السيولة المتاحة داخل الفروع المصرفية.
يضيف أنّ استمرار ضعف الثقة في الجهاز المصرفي يدفع الكثير من المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج المصارف، وهو ما يقلل من قدرة البنوك على تلبية طلبات السحب ويؤدي إلى استمرار أزمة السيولة، من جانبه، يقول المحلل الاقتصادي محمد الشيباني لـ"العربي الجديد" إن استمرار تحديد سقوف منخفضة للسحب يعكس استمرار الضغوط على إدارة السيولة داخل القطاع المصرفي، مشيراً إلى أن الحلول طويلة الأجل تتطلب التوسع في المدفوعات الإلكترونية، وتحسين توزيع النقد بين الفروع، وتعزيز ثقة الجمهور في الجهاز المصرفي، إلى جانب الحد من توسع الاقتصاد الموازي.
وتعاني ليبيا من أزمة سيولة متكررة منذ عام 2014 نتيجة الانقسام السياسي والمؤسسي، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع الاكتناز النقدي خارج المصارف، ما دفع السلطات النقدية في مراحل مختلفة إلى فرض قيود متفاوتة على السحب النقدي للحد من الضغوط على الجهاز المصرفي. وخلال السنوات الأخيرة، وسّع مصرف ليبيا المركزي استخدام وسائل الدفع الإلكتروني عبر زيادة انتشار نقاط البيع، والتوسع في خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وتشجيع استخدام البطاقات المصرفية، بهدف تقليل الاعتماد على النقد الورقي وتحسين إدارة السيولة، إلا أن النقد لا يزال يمثل وسيلة الدفع الرئيسية في قطاعات واسعة من الاقتصاد.
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس (تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي: