2026/08/12
الذهب: $4,408.59 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1537 (LIVE)
الأخبار
زيادة قياسية في أسعار الأدوية بتونس تغذي المخاوف من تفكيك الدعم الحكومي
أخبار الاقتصاد

زيادة قياسية في أسعار الأدوية بتونس تغذي المخاوف من تفكيك الدعم الحكومي

07 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

أثارت قرارات رفع أسعار مئات الأصناف من الأدوية في تونس—والتي وصلت في بعض الحالات إلى 550%—موجة غضب واسعة وسجالاً حاداً حول المصير المستقبلي لسياسة دعم الدواء.

وتأتي هذه التطورات لتطرح تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت الحكومة قد شرعت بالفعل في التخلي التدريجي عن دعم السلع الأساسية، وهو ما يتناقض مع الخطاب الرسمي المتمسك بالدفاع عن المنظومة الاجتماعية وعدم المساس بها.

وشملت الزيادات قائمة واسعة من الأدوية الأساسية التي يعتمد عليها آلاف المرضى بشكل يومي وصلت إلى 300 دواء، من بينها أدوية كانت تباع بأسعار رمزية تقل عن دينار واحد، وهو ما جعلها في متناول مختلف الفئات الاجتماعية بفضل سياسة الدعم التي انتهجتها الدولة لعقود بهدف ضمان الحق في العلاج.

ويرى متابعون أن هذه الزيادات لا يمكن فصلها عن التحولات التي تشهدها سياسة الدعم في تونس، والتي اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص ما يُعرف بـ"الدعم الخفي" أو غير المباشر، دون الإعلان رسمياً عن رفع الدعم.

وسبق أن شهدت عدة مواد غذائية أساسية زيادات متتالية في الأسعار أو تغييراً في آليات التسعير، بينما واصلت السلطات التأكيد على أن منظومة الدعم ما زالت قائمة وأن الإصلاحات تستهدف فقط ترشيد الإنفاق والحد من الهدر.

ولا تظهر مخصصات دعم الدواء ضمن الموازنة العامة للبلاد، ولا ضمن ميزانية وزارة الصحة والمقدرة بنحو 4.3 مليارات دينار (1.5 مليار دولار)، وهذا العام زادت قيمة ميزانية الوزارة بنسبة 8.7% مقارنة بميزانية العام الماضي، وتستأثر كتلة أجور الموظفين بأكثر من 2.8 مليار دينار (965 مليون دولار)، بينما خصصت 680 مليون دينار (234 مليون دولار) لنفقات التسيير و780 مليون دينار (268 مليون دولار) لنفقات الاستثمار.

سياسة رفع الدعم

يؤكد رئيس لجنة الصحة بالبرلمان عز الدين التايب، أن التعديل الأخير في أسعار الأدوية يُصنّف فعلاً ضمن سياسة رفع الدعم، مؤكداً أن القرار فاجأ الجميع، وحتى البرلمان الذي لم تقع استشارته أو مناقشة تداعيات هذا التعديل على المواطنين. وقال التايب في تصريح لـ"العربي الجديد" إن دعم الدواء ملف اجتماعي وصحي في غاية الحساسية، يُفترض أن يكون محل مناقشات واسعة النطاق نظراً لتداعياته المباشرة على حق الصحة.

وأضاف: "ستطالب لجنة الصحة السلطات بتوضيحات بشأن دواعي التعديل الأخير في أسعار الأدوية والمردودية المالية المرتقبة منه"، معتبراً أن إصلاح الوضع المالي للصيدلية المركزية كان ممكناً دون اللجوء إلى الزيادة، وذلك عبر رقمنة مسارات توزيع الدواء وبيعه والحد من الهدر.

ويختلف دعم الدواء في تونس عن دعم المواد الغذائية، إذ لا يتم عبر صندوق الدعم مباشرة، وإنما تتحمل الدولة جزءاً من كلفة بعض الأدوية من خلال سياسات التسعير التي تعتمدها وزارة الصحة، إلى جانب مساهمة الصناديق الاجتماعية في تعويض نسبة من مصاريف العلاج والأدوية للمؤمنين اجتماعياً، فضلاً عن تحمل الدولة خسائر عدد من المؤسسات العمومية في القطاع الصحي.

ويُعد صندوق الدعم، الذي أُحدث منذ سبعينيات القرن الماضي، الآلية الرئيسية لدعم المواد الأساسية مثل الحبوب والزيت النباتي والسكر والحليب، وقد استنزف على امتداد السنوات جزءاً مهماً من المالية العمومية.

ومع تزايد الضغوط على الميزانية وارتفاع كلفة الدعم، اتجهت الحكومات المتعاقبة إلى تقليص الدعم تدريجياً عبر مراجعة الأسعار أو تقليص الكميات المدعومة، مع الإبقاء على خطاب يؤكد عدم التخلي عن الفئات الضعيفة.

نقص فادح في أدوية

وسبق قرارَ تقليص دعم الدواء مسارٌ طويل من نقص فادح في الأدوية في الصيدليات الخاصة وصيدليات المستشفيات، التي باتت تجبر المرضى على اقتنائها على حسابهم الخاص، بما في ذلك المدرجون ضمن قائمات العائلات الفقيرة والمعوزة التي تتمتع ببطاقات العلاج المجانية أو منخفضة التعريفة.

ويُعد تعديل أسعار الدواء الثاني من نوعه، حيث سبق أن عدّلت الصيدلية المركزية أسعار أكثر من 280 صنفاً في يوليو/ تموز الماضي، بينما شهدت السنة الحالية تواتر انقطاع الدواء من الأسواق.

وتواجه الصيدلية المركزية التونسية، وهي المحتكر القانوني لتوريد الأدوية إلى البلاد، ضغوطاً مالية متزايدة منذ سنوات نتيجة تراكم ديونها لدى المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية، وارتفاع كلفة التوريد بسبب تراجع قيمة الدينار وزيادة الأسعار العالمية للأدوية والمواد الأولية.

وتشير بيانات أفصح عنها المدير العام السابق للصيدلية المركزية شكري حمودة في مايو/أيار 2025 إلى أن مستحقات الصيدلية المركزية تجاه المستشفيات والصناديق الاجتماعية قد بلغت أكثر من 1.4 مليار دينار (482 مليون دولار)، في حين تُقدّر ديونها بـ1.3 مليار دينار (448 مليون دولار).

منظومة تمويل الصحة

عادة ما يخضع قرار تعديل أسعار الدواء إلى استشارات موسعة بين مختلف المتدخلين نظراً لحساسية الملف وتداعياته على الصحة العامة، غير أن قرار تعديل الأسعار جاء بشكل مباشر دون استشارة مهنيي الصحة، وفق ما أكده رئيس نقابة الصيادلة زبير قيقة لـ"العربي الجديد". وأكد قيقة أن رفع الأسعار شمل أساساً الأدوية التي تصنف ضمن قائمة الأدوية رخيصة السعر، مشيراً إلى أنه لم يتم إعلام الصيادلة بالمقاييس التي تم على أساسها تحديد الأسعار الجديدة.

وأضاف: "يمثل الصيادلة الخط الأول والمباشر في قطاع الدواء، ويفترض إشراكهم في قرارات مهمة مثل تعديل الأسعار؛ لأنهم أكثر المتدخلين معرفة بواقع السوق وقدرات المواطنين المالية".

واعتبر المتحدث أن معالجة أزمة الدواء تحتاج إلى إعادة نظر شاملة في منظومة تمويل الصحة، مؤكداً أن معالجة الموازنات المالية للصيدلية المركزية غير كافٍ، حيث سبق أن ضخت السلطات في أكثر من مرة تمويلات لفائدة الصيدلية، غير أن ذلك لم يكن مجدياً، ما يفسر تواتر أزمات فقدان الدواء، وفق قوله.

وتواجه الصناديق الاجتماعية، وعلى رأسها الصندوق الوطني للتأمين على المرض، عجزا مالياً متواصلاً نتيجة ارتفاع النفقات الصحية وتراكم الديون وضعف الاستخلاص، ما انعكس على آجال خلاص مستحقات الصيادلة ومقدمي الخدمات الصحية، وأثر بدوره في التوازن المالي للقطاع.

انتقادات من اتحاد الشغل التونسي

بدوره، أدان اتحاد الشغل التونسي قرار الزيادات غير المسبوقة في أسعار الأدوية، وطالب بالعدول عنها معتبراً أنها "تمثل مساساً مباشراً بالحق الدستوري في العلاج، واستهدافاً جديداً للقدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما الفئات الهشة والعمال ومحدودي الدخل".

وقال الاتحاد في بيان له: "هذا الترفيع يأتي في ظل أزمة اجتماعية خانقة وتراجع غير مسبوق في القدرة الشرائية للشغالين وعموم المواطنين، بما يجعل الحق في العلاج والرعاية الصحية مهدداً أكثر من أي وقت مضى".

وأشار البيان إلى أن "المعطيات التفصيلية المنشورة تكشف أن هذه الزيادة لم تكن مجرد تعديلات محدودة أو تدريجية تراعي التوازنات المالية للعائلات، بل شكّلت قفزة قياسية وغير مسبوقة تجاوزت في بعض الأدوية الحيوية 550%، وهو ما يعكس توجهاً يقوم على نقل كلفة الأزمة المالية لمنظومة الصحة إلى المواطنين، في غياب أي رؤية شاملة لإصلاح القطاع أو حماية الحق في العلاج".

وشدد الاتحاد العام التونسي للشغل على أن "التداعيات الكارثية لهذه الزيادات لن تقف عند حدود المضمونين الاجتماعيين، بل ستصيب بشكل مباشر وبدرجة أشد الفئات الأكثر حرماناً وتهميشاً في المجتمع التونسي، وفي مقدمتهم العاملات والعمال في القطاع غير المنظم الذين يشتغلون خارج مظلة الحماية الاجتماعية، بما يجعل من المرض سبباً إضافياً للفقر والإقصاء الاجتماعي".