2026/08/10
الذهب: $4,331.82 (LIVE)
اليورو/دولار: $1.1549 (LIVE)
الأخبار
الجزء الثاني والأخير: وطن واحد.. عملتان.. ومعاناة مستمرة: لماذا يدفع كل يمني ثمن انقسام اقتصادي لم يختره؟ 
مشاهد وأحداث

الجزء الثاني والأخير: وطن واحد.. عملتان.. ومعاناة مستمرة: لماذا يدفع كل يمني ثمن انقسام اقتصادي لم يختره؟ 

08 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:

إذا كان الجزء الأول من هذه القراءة قد فكّك الأبعاد الهيكلية للانقسام المصرفي ومآلات السيادة النقدية المجزأة في اليمن، فإن هذا الجزء الختامي يتتبع المسار العكسي؛ كيف تتحول الاختلالات في مؤشرات الاقتصاد الكلي من صراع الدفاتر إلى معركة الرغيف تلخص مأساة يعيشها المواطن اليمني على أرض الواقع الاقتصادي لليمن.. 
حين يُصبح الجوع رقمًا في تقرير أممي
هذا التآكل المستمر في القوة الشرائية لا يبقى حبيس الاقتصاد الكلي، بل ينعكس مباشرة على أبسط الاحتياجات الإنسانية وتم التحذير بأن هناك نحو 18.1 مليون يمني سيواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي مطلع عام 2026، مع تحذيرات من لجوء أسر متزايدة إلى آليات مواجهة خطيرة، مثل تقليل عدد الوجبات اليومية أو بيع أصول أساسية للبقاء وهذا الرقم المأساوي ليس نتاجًا لانهيار العملة لوحدها، بل لمنظومة متكاملة من عوامل الحرب والحصار الاقتصادي وتوقف الإيرادات؛ غير أن انقسام العملة وتضخم الأسعار المصاحب له يظل أحد أبرز الروافد المباشرة التي تُسرّع وتيرة هذه المأساة شهرًا بعد شهر.

حين يتحول المغترب إلى "شريان الحياة" الوحيد المتبقي
وسط كل هذا الانهيار، برز فاعل واحد يمنع -حتى الآن- الانهيار الكامل: المغترب اليمني؛ فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغت التحويلات الرسمية للمغتربين نحو ملياري دولار خلال عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 2.16 مليار دولار في 2026، أي ما يعادل نحو 15% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي لليمن، لتُوصف بأنها "أهم مصادر النقد الأجنبي" في البلاد حاليًا، بل إن تقديرات أخرى تشمل قنوات التحويل غير الرسمية (عبر شبكات الصرافة التقليدية المنتشرة محليًا) ترفع الرقم الإجمالي إلى ما يقارب 7.4 مليارات دولار سنويًا وهو مبلغ فاق عائدات النفط والغاز نفسها كمصدر أول للعملة الصعبة في البلاد  كل دولار وريال سعودي من هذه المليارات، في جوهره، هو عرق مغترب يمني يعمل بعيدًا عن أهله، ليسدّ فجوة تركها انقسام سياسي لم يختره هو أيضًا.

حتى فيضان النقد الأجنبي لم يُحدث فرقًا
بلغت تحويلات المغتربين اليمنيين وحدها نحو ملياري دولار خلال عام 2025 - وهو مبلغ يتجاوز، تقديراً إجمالي ما تحققه أي جهة حاكمة في اليمن من عائدات نفط وغاز ومساعدات خارجية وودائع مجتمعة- ومع ذلك لم تنجح هذه الأموال الضخمة في تحسين الأوضاع المعيشية، فإذا كانت تسعة مليارات دولار من عرق المغتربين لم تكفِ لتحسين حياة الناس، فإن السؤال المنطقي يطرح نفسه بقوة: أين ذهبت كل هذه الأموال؟ وهل استقرار رقم على شاشة الصراف مقابل عملة أجنبية، يستحق أن يُسمى "نجاحًا اقتصاديًا" إن لم ينعكس أثره على مائدة أي أسرة؟

استقرار مفروض على اقتصاد حرب، لا نموذج يُحتذى
ما نخلص إليه من هذا الجزء أن "صمود" ريال صنعاء -كما فصّلنا آليته مسبقاً - هو نتاج ندرة نقدية مفروضة وعزلة مالية قسرية، وليس ثمرة سياسة اقتصادية ناجحة تُترجم إلى تحسّن حقيقي في حياة الناس. فالفقر لا يزال متفشيًا، وتدفقات النقد الأجنبي الضخمة لم تحدث الفارق المتوقع منها، والعزلة الدولية آخذة في التصاعد لا التراجع. وبين ريال يذوب في عدن، وريال "مستقر" لكنه محاصر ومصنّف دوليًا في صنعاء، تبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة: أن كلا الطرفين يدير اقتصاد حرب بمنطقين مختلفين لنفس المأساة، وأن الخاسر الأكبر في الحالتين معًا هو المواطن اليمني نفسه.

لماذا تتجدد "حرب العملة" كل بضعة أشهر؟
المتابع لملف الريال اليمني يلاحظ نمطًا متكررًا: هدوء نسبي لأشهر، ثم فجأة اتهامات متبادلة بـ"التزييف"، أو إصدار نقدي مفاجئ من طرف، يقابله تحذير عاجل من طرف هذا التكرار ليس صدفة، بل انعكاس مباشر لحقيقة بسيطة: طالما بقي الانقسام السياسي قائمًا، سيظل كل طرف يستخدم أدواته النقدية والمصرفية كسلاح ضغط على الآخر، كلما سنحت الفرصة أو اقتضتها الظروف الميدانية.

يوليو 2025: عملة جديدة تحت النار حرفيًا
في 13 يوليو 2025، أصدر البنك المركزي بصنعاء عملة معدنية جديدة فئة 50 ريالًا، وبعدها بيومين فقط أعلن عن طرح ورقة نقدية جديدة فئة 200 ريال، بهدف استبدال النقد التالف من فئات 50 و100 و200 و250 ريالًا، ومؤكدًا أن هذا لن يؤثر على سعر الصرف أو الاقتصاد الوطني، لكن البنك المركزي في عدن وصف هذا الإصدار بأنه "مزيّف ومدمّر واستمرار للحرب الاقتصادية

أغسطس 2025: نفَس قصير من التعافي
بعد أسابيع من هذا التصعيد، شهد ريال عدن انتعاشة مفاجئة، حيث ارتفعت قيمته بأكثر من 44% خلال فترة قصيرة، بفضل حزمة إصلاحات شملت كبح المضاربة وتنظيم تمويل الواردات وإلزام السوق باستخدام الريال حصرًا في المعاملات المحلية، هذا التحسن أثبت أن الأزمة قابلة للتخفيف جزئيًا كلما توفرت إرادة تنفيذية جادة، لكنه أثبت أيضًا هشاشته: فقد ظل هذا التعافي مرهونًا بدعم سعودي متذبذب واحتياطي نقدي متواضع لم يتجاوز 225 مليون دولار وقتها، ما أبقى الباب مفتوحًا لأي انتكاسة قادمة.

أبريل 2026: الاتهام ينقلب بالاتجاه المعاكس
في منتصف أبريل 2026، انقلبت الاتهامات: نفى البنك المركزي في عدن رسميًا صحة أي إصدار نقدي جديد بمواصفات مختلفة عن العملة المعتمدة، محذرًا من تداول صور ونماذج "مفبركة ومزيفة" لما يُسمى فئة "10 آلاف ريال - إصدار 2026" كانت تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومتهمًا منصات مخالفه له بالترويج لها ضمن محاولات ممنهجة "لخلق البلبلة والتشويش على الأوضاع الاقتصادية".

لماذا تتكرر هذه الدورة بلا نهاية؟
من هذا التسلسل الزمني الملاحظ فإن كل من صنعاء وعدن يمتلك ورقة ضغط يستخدمها في اللحظة التي يراها مناسبة: بنك صنعاء يمتلك ورقة "الإصدار النقدي" وقدرته على ضبط السوق داخل مناطقه، وبنك عدن يمتلك ورقة "الاعتراف الدولي" والتلويح بالإجراءات القانونية تجاه أي تصرف يعتبره غير شرعي. 

وطالما بقي هذان البنكان بلا أي مسار توحيد سياسي أو مؤسسي حقيقي في الأفق، فمن المرجح أن تستمر هذه "الاشتباكات النقدية" في الظهور دوريًا كل بضعة أشهر، كلما تغيّر ميزان القوى الميداني أو السياسي على الأرض، تاركة المواطن اليمني العادي رهينة دورة لا يبدو لها أفق للتوقف القريب.
قراءة تفاؤلية 
قد يبدو الحديث عن "حل" لأزمة نقدية مستمرة منذ عام 2016، في بلد ما زال يعاني من انقسام سياسي وعسكري عميق، ضربًا من التفاؤل الساذج الذي لا يلامس الواقع لكن من يقرأ بعناية ما جرى في صيف 2025 وحده، حين انتعش ريال عدن بأكثر من 44% من قيمته خلال أسابيع قليلة بعد حزمة إصلاحات منضبطة، يدرك حقيقة جوهرية: هذه الأزمة ليست قدرًا اقتصاديًا محتومًا، بل نتاج قرارات إدارية وسياسية متى توفرت الإرادة لمعالجتها بخطوات متدرجة قابلة للقياس. الأزمة عميقة، نعم، لكنها ليست ميؤوسًا منها. وما عرضناه عبر اجزء هذا المقال لا يستهدف التخويف، بل تأهيل القارئ بان الحل ممكن وليس مجرد امنيات معلقة بالهواء.

التوحيد النقدي تدريجيًا — لا قفزة في الفراغ
الخطأ الأكبر الذي يمكن ارتكابه هو محاولة توحيد العملة دفعة واحدة عبر قرار سيادي من طرف واحد، فذلك — كما رأينا في 2016 — قد يفتح شرخًا أعمق مما يغلق. البديل العملي هو التوحيد التدريجي عبر مسار من ثلاث مراحل متتالية، تستفيد من تجارب دول مرّت بانقسامات نقدية مماثلة كاليمن نفسه في مرحلة ما قبل 1990، والصومال، ولبنان في مراحل معينة من أزماته.

الدور الإقليمي — من المانح إلى الشريك في المعالجة
لا يمكن لأي حل نقدي في اليمن أن ينجح بمعزل عن المحيط الإقليمي، وهذا ليس اعترافًا بالضعف، بل قراءة واقعية لطبيعة الاقتصاد اليمني الذي تعتمد فيه تحويلات المغتربين وحدها على ما يقارب 7.4 مليارات دولار سنويًا — وهو رقم يفوق عائدات النفط والغاز مجتمعة. السعودية، التي دعمت اليمن تاريخيًا بإيداع مليار دولار في البنك المركزي عام 2012، تستطيع اليوم أن تلعب دورًا أكثر فاعلية عبر تقديم ضمان نقدي لمدة ثلاث سنوات، يغطي فجوة الاحتياطي الأجنبي الضعيف، والذي لم يتجاوز 225 مليون دولار في مرحلة سابقة. هذا الضمان لا يحتاج إلى ضخ مبالغ ضخمة دفعة واحدة، بل التزام مرحلي مرتبط بتحقيق مؤشرات إصلاح محددة، يطمئن المستثمرين والمواطنين على حد سواء، تنسيق دولي لإنشاء "صندوق دعم نقد يمني" يقدّم تمويلًا ميسرًا للبنك المركزي اليمني الموحّد المستقبلي، وتسهيل عودة المؤسسات المالية اليمنية بصنعاء إلى النظام المصرفي الدولي، عبر فتح قنوات مراسلين مصرفيين مع بنوك في صنعاء وعدن معًا، وهو ما يخفّف الاعتماد القسري على شبكات الصرافة غير الرسمية ويُعيد جزءًا من التحويلات إلى القنوات الرسمية.

 نعم، الحلم ولأمل مشروع
لم يكن هدفنا إثارة الشفقة او استفزاز نعره التعصب لجهة دون اخرى، بل التذكير للجميع بأن كل رقم يذكر في التقارير الأممية والدولية والمحلية هو ليس مجرد رقم فحسب بل هو إنسان يمني يعيش يومياً واقع مر وصعب.. المشهد الذي وصفناه ليس قدرًا مكتوبًا على اليمن، بل نتاج قرار بشري، وما كان من صنع بشر يمكن أن يُصلحه نفس البشر إذا توفرت له الإرادة الصادقة.

صحيح أن الطريق طويل، وأن العقبات كبيرة، وأن العقوبات الدولية على إحدى الأطراف، وانهيار الاحتياطي لدى الطرف الآخر، يجعلان المهمة معقدة. لكن تعقيد المهمة لا يعني استحاله حلها.. فالشعب اليمني عبر تاريخه العريق، تجاوز أزمات أكبر من هذه، واليمن قادر متى اختار أبنائه طريق التفاهم.. قادرين على إعادة ريال واحد لليمنيين جميعًا، يحمل قيمته كاملة من عدن إلى صنعاء.

عرض وتقديم 
أ/ أسامة محمد الشوخي 
خبير مصرفي - باحث وكاتب في 
التحول الرقمي المصرفي والشمول المالي