تشهد ضوابط «الخدمات المصرفية المفتوحة» (Open Banking) في الولايات المتحدة تحولاً تنظيمياً جديداً، عقب رفع مكتب الحماية المالية للمستهلك مقترحه المعدّل لإعادة رسم أطر تبادل البيانات المالية بين المؤسسات المصرفية وشركات التكنولوجيا المالية إلى البيت الأبيض للمراجعة، وهو ما يمثل امتداداً للمبادرة التنظيمية التي أطلقها المكتب خلال عام 2025.
ويتركز الجدل حول عدد من القضايا الرئيسية، أبرزها إمكانية السماح للبنوك ومقدمي البيانات بفرض رسوم لتغطية تكاليف إتاحة بيانات العملاء لشركات التكنولوجيا المالية والأطراف الثالثة المصرح لها، وهو ما قد يؤثر بصورة مباشرة على نماذج أعمال شركات التكنولوجيا المالية ومنظومة الخدمات المصرفية المفتوحة في السوق الأمريكية.
ويقصد بـالخدمات المصرفية المفتوحة Open Banking نظام يتيح للعميل، بموافقته، السماح للبنك بمشاركة بياناته المالية إلكترونيًا مع شركات أو تطبيقات مالية أخرى يختارها، مثل تطبيقات التكنولوجيا المالية وخدمات تجميع الحسابات وإدارة الأموال والمدفوعات، بما يمنحه سيطرة أكبر على بياناته ويسهل حصوله على خدمات مالية من أكثر من جهة.
وأظهرت بيانات مكتب المعلومات والشؤون التنظيمية التابع لمكتب الإدارة والموازنة الأمريكي، أن المقترح الخاص بـإعادة النظر في حقوق البيانات المالية الشخصية وصل إلى مرحلة المراجعة التنظيمية خلال أغسطس 2026، فيما لا يزال النص الكامل للقاعدة المقترحة الجديدة غير منشور للعامة حتى الآن.
وتعود عملية إعادة النظر في القواعد إلى عام 2025، عندما بدأ مكتب الحماية المالية للمستهلك مراجعة الإطار التنظيمي الصادر لتنفيذ المادة 1033 من قانون دود-فرانك، وحدد عددًا من الملفات التي تحتاج إلى إعادة تقييم، من بينها الرسوم وأمن البيانات والخصوصية وتحديد الجهات التي يحق لها طلب بيانات المستهلك نيابة عنه.
وتستند القواعد إلى المادة 1033 من قانون دود-فرانك، التي تمنح المستهلك الحق في الحصول على بعض البيانات المتعلقة بالمنتجات والخدمات المالية التي يستخدمها، كما تضع إطارًا يسمح له بتوجيه المؤسسات المالية لمشاركة تلك البيانات مع جهات أخرى مصرح لها.
وتشمل الجهات التي تخضع للقواعد البنوك والاتحادات الائتمانية وغيرها من مقدمي الخدمات المالية، بينما يمكن أن تستفيد من الوصول إلى البيانات شركات التكنولوجيا المالية وتطبيقات إدارة الأموال ومقدمو خدمات المدفوعات وغيرها من الأطراف التي يمنحها العميل تفويضًا للوصول إلى معلوماته.
وكان مكتب الحماية المالية للمستهلك الأمريكي Consumer Financial Protection Bureau،
قد أصدر في أكتوبر 2024 القاعدة النهائية لتنفيذ حقوق البيانات المالية الشخصية، والتي تلزم البنوك والاتحادات الائتمانية ومقدمي الخدمات المالية الآخرين بإتاحة بيانات المستهلك، بناءً على طلبه، سواء للمستهلك نفسه أو للأطراف الثالثة التي يمنحها تصريحًا بذلك، بطريقة آمنة وموثوقة.
وتغطي البيانات الخاضعة للقواعد مجموعة من المنتجات المالية، من بينها الحسابات المصرفية وبطاقات الائتمان والمحافظ الرقمية وتطبيقات الدفع وغيرها من المنتجات والخدمات المالية.
الرسوم في قلب المراجعة الجديدة
وتعد إمكانية فرض رسوم مقابل إتاحة البيانات واحدة من أهم القضايا التي يعيد مكتب الحماية المالية للمستهلك النظر فيها.
وكان المكتب قد أوضح عند بدء عملية إعادة النظر في القاعدة أنه يدرس النهج المناسب بشأن الرسوم التي قد تساعد مقدمي البيانات على تغطية التكاليف الناتجة عن الاستجابة لطلبات المستهلكين الخاصة بالوصول إلى بياناتهم.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ضوء ما تنص عليه القاعدة الحالية بشأن إتاحة البيانات، إذ يحظر الإطار الصادر في 2024 على مقدمي البيانات فرض رسوم على المستهلك أو الطرف الثالث المصرح له مقابل إتاحة البيانات التي تغطيها القاعدة.
ومن ثم، فإن إعادة فتح مسألة الرسوم قد تؤدي، حال تبني تغيير تنظيمي بهذا الاتجاه، إلى تعديل أحد العناصر الرئيسية في النموذج الحالي للخدمات المصرفية المفتوحة في الولايات المتحدة.
وتكتسب القضية أهمية كبيرة بالنسبة إلى العلاقة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، إذ تعتمد العديد من تطبيقات التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية المفتوحة على الوصول إلى بيانات الحسابات المصرفية، بعد موافقة العميل، لتقديم خدمات مثل تجميع الحسابات وإدارة الأموال والمدفوعات والإقراض وغيرها من الخدمات الرقمية.
ومن ثم فإن السماح مستقبلًا بفرض رسوم على عمليات إتاحة البيانات يمكن أن يؤثر في تكاليف التشغيل ونماذج أعمال بعض شركات التكنولوجيا المالية ومقدمي خدمات تجميع البيانات.
4 ملفات رئيسية تحت الدراسة
ولا تقتصر عملية إعادة النظر التي يجريها مكتب الحماية المالية للمستهلك على الرسوم فقط، إذ حدد المكتب أربع قضايا رئيسية يعتزم إعادة تقييمها ضمن مراجعة قواعد البيانات المالية الشخصية.
وتتعلق القضية الأولى بتحديد الجهات التي يمكن اعتبارها ممثلًا للمستهلك ويحق لها طلب البيانات المالية نيابة عنه بموجب المادة 1033.
أما القضية الثانية فتتعلق بدراسة النهج المناسب بشأن الرسوم التي قد تساعد مقدمي البيانات على تغطية تكاليف الاستجابة لطلبات المستهلكين المتعلقة بإتاحة بياناتهم المالية.
وتتناول القضية الثالثة مخاطر وتكاليف ومنافع أمن البيانات المرتبطة بتطبيق المادة 1033، في ظل حساسية المعلومات المالية التي يتم تبادلها بين المؤسسات المالية والأطراف الثالثة.
فيما تركز القضية الرابعة على مخاطر الخصوصية المرتبطة بمشاركة البيانات المالية للمستهلكين، ومدى كفاية الضوابط القائمة لحماية تلك المعلومات عند انتقالها إلى أطراف أخرى.
ماذا تنص القاعدة الحالية؟
أصدر مكتب الحماية المالية للمستهلك القاعدة النهائية الأساسية في 22 أكتوبر 2024 بهدف تطبيق المادة 1033 من قانون دود-فرانك وتعزيز قدرة المستهلكين على التحكم في بياناتهم المالية.
وتُلزم القاعدة المؤسسات المشمولة بإتاحة البيانات المالية التي يغطيها النظام للمستهلكين والأطراف الثالثة المصرح لها، بصورة إلكترونية آمنة وموثوقة.
كما وضعت التزامات على الأطراف الثالثة التي تحصل على بيانات المستهلكين، بما في ذلك متطلبات مرتبطة بحماية الخصوصية واستخدام البيانات.
وبموجب الإطار التنظيمي، يتعين على الأطراف الثالثة الحصول على تصريح من المستهلك للوصول إلى البيانات، مع الالتزام بالقيود والشروط المنظمة لجمع المعلومات واستخدامها والاحتفاظ بها.
واستهدفت القاعدة، بحسب مكتب الحماية المالية للمستهلك، تعزيز المنافسة في سوق الخدمات المالية، وتسهيل انتقال المستهلكين بين مقدمي الخدمات المختلفة، وإعطاء العملاء سيطرة أكبر على معلوماتهم المالية بدلًا من بقائها محصورة داخل المؤسسة التي تقدم الحساب أو المنتج المالي.
ويمثل هذا الإطار الأساس التنظيمي الذي تقوم عليه الخدمات المصرفية المفتوحة في الولايات المتحدة، حيث يستطيع المستهلك السماح لشركات التكنولوجيا المالية والتطبيقات المالية بالوصول إلى بيانات حساباته لتقديم خدمات مالية مختلفة.
البنوك وشركات التكنولوجيا المالية
وتعد تكلفة توفير البيانات إحدى أكثر النقاط حساسية في منظومة الخدمات المصرفية المفتوحة الأمريكية.
فالبنوك والمؤسسات المالية تتحمل تكاليف مرتبطة بتطوير وصيانة البنية التكنولوجية وواجهات مشاركة البيانات وتأمينها وحمايتها من عمليات الاحتيال والهجمات الإلكترونية، إلى جانب متطلبات الامتثال وحماية بيانات العملاء.
في المقابل، تعتمد شركات التكنولوجيا المالية ومجمعو البيانات على القدرة على الوصول إلى بيانات الحسابات المصرفية لتطوير منتجاتهم وخدماتهم وتقديمها للمستهلكين.
وبالتالي فإن أي تغيير في السياسة المتعلقة بالرسوم يمكن أن يعيد تشكيل العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، خاصة بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا المالية التي يعتمد نموذج أعمالها بصورة كبيرة على الوصول إلى بيانات الحسابات المصرفية.
كما أن القضية لا تتعلق بالرسوم فقط، إذ إن تحديد الجهة التي يمكن اعتبارها ممثلًا معتمدًا للمستهلك، إلى جانب قواعد أمن المعلومات والخصوصية، سيحدد بصورة كبيرة نطاق الجهات القادرة على المشاركة في منظومة الخدمات المصرفية المفتوحة.
المقترح يصل إلى البيت الأبيض
ويتمثل أحدث تطور في الملف في انتقال مقترح مكتب الحماية المالية للمستهلك إلى مكتب المعلومات والشؤون التنظيمية التابع لمكتب الإدارة والموازنة بالبيت الأبيض، وهو الجهة المسؤولة عن مراجعة القواعد التنظيمية المهمة قبل نشرها.
وبحسب السجل التنظيمي الرسمي، استلم مكتب المعلومات والشؤون التنظيمية مقترح «إعادة النظر في حقوق البيانات المالية الشخصية»، الذي يحمل الرقم RIN 3170-AB39، في 4 أغسطس 2026.
ولا تزال حالة الملف مسجلة باعتباره «قيد المراجعة».
كما يظهر السجل أن الإجراء التنظيمي مصنف باعتباره ذا أهمية اقتصادية، بما يعكس الأهمية الاقتصادية المحتملة للتغييرات التي يدرسها المكتب.
ولا يتضمن السجل موعدًا نهائيًا قانونيًا لاستكمال عملية المراجعة.
ويعني انتقال المقترح إلى هذه المرحلة أن مكتب الحماية المالية للمستهلك وصل إلى مرحلة متقدمة في إعداد مقترحه التنظيمي، لكن النص الكامل للقاعدة المقترحة الجديدة لم يُنشر للعامة حتى الآن.
وبالتالي لم يتم حتى الآن تحديد ما إذا كان المكتب سيقرر بالفعل السماح بفرض رسوم، أو حجم الرسوم المحتملة، أو الجهات التي قد يكون مسموحًا لها بتحصيلها، أو الشروط التي ستطبق عليها.
ومن المنتظر أن تتضح هذه التفاصيل بصورة أكبر عقب انتهاء عملية المراجعة ونشر مكتب الحماية المالية للمستهلك نص القاعدة المقترحة رسميًا، بما يسمح للبنوك وشركات التكنولوجيا المالية ومقدمي خدمات البيانات والأطراف الأخرى بدراسة التغييرات المقترحة.
وقد يكون للتعديلات المرتقبة تأثير واسع على سوق الخدمات المصرفية المفتوحة في الولايات المتحدة، وعلى العلاقة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية ومجمّعي البيانات ومقدمي خدمات الدفع، خاصة إذا انتهت عملية إعادة النظر إلى تغيير القواعد المتعلقة بتكلفة الوصول إلى بيانات العملاء وآليات مشاركتها وحمايتها.
فنتك جيت- ريهام علي
أخبار تهمك:
أخبار الشركات والأعمال
https://economics360.net/category.php?id=3
أخبار الجامعت والمدارس
https://economics360.net/category.php?id=10
أخبار اليمن