الطاقة الشمسية ودور مؤسسات وبنوك وبرامج التمويل في اليمن
10 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
عبد القوي النجار*
تؤكد المعطيات الميدانية في اليمن أن الطاقة الشمسية أصبحت ركيزة الأساسية لمرونة الاقتصاد الوطني
الاستثمار المستدام في الطاقة الشمسية هو الضامن الأساسي لبناء اقتصاد يمني قوي ومرن ومستقل
تشير التقارير إلى أن القدرة التوليدية الإجمالية للطاقة الشمسية في اليمن تضاعفت نحو 50 ضعفاً خلال ثلاث سنوات فقط
تثبت لغة الأرقام أن مشاريع الطاقة الشمسية هي الاستثمار الأقل كلفة والأعلى جدوى على المدى الطويل
تتسم التحولات الاقتصادية الكبرى بوجود محطات تاريخية فاصلة. وفي تاريخ اليمن الحديث، لا نجد تحولاً أكثر عمقاً واستدامة من تلك القفزة النوعية نحو الاعتماد على “الطاقة الخضراء”. حيث لم تعد الطاقة الشمسية في اليمن مجرد بديل مؤقت أو ترف تكنولوجي، بل أصبحت شريان حياة حقيقي ومحركاً أساسياً للاقتصاد الوطني، وذلك بفضل تضافر جهود مؤسسات التمويل الأصغر، البنوك، والشركات الموردة لهذه التقنيات النظيفة.. تفاصيل في السياق التالي:
تعد الطاقة الشمسية مكرمة إلهية لليمن، حيث تقع البلاد جغرافياً ضمن حزام الشمس العالمي، مما يمنحها ميزة تنافسية فريدة؛ إذ يصل متوسط ساعات شروق الشمس الساطعة إلى نحو 8 ساعات يومياً على مدار العام (1).
من المبادرات الخجولة إلى الطفرة الكبرى
بدأ استخدام تقنيات الطاقة الشمسية في اليمن على نطاق ضيق ومحدود أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، واقتصر حينها على مشاريع ريفية نائية، لا سيما في مجال ضخ المياه برعاية منظمات دولية. غير أن المحطة التاريخية المفصلية تجلت في 23 مارس 2015؛ فمع توقف محطات توليد الكهرباء المركزية والنزيف الحاد في إمدادات الوقود، شهدت اليمن واحدة من أسرع طفرات التحول نحو الطاقة الشمسية اللامركزية على مستوى العالم (2).
وتشير التقارير والدراسات الدولية إلى أن القدرة التوليدية الإجمالية للطاقة الشمسية في اليمن تضاعفت بنحو 50 ضعفاً خلال ثلاث سنوات فقط من بدء الأزمة. هذا التحول السريع والملهم نجح في تغطية احتياجات أكثر من 50% من المنازل اليمنية.
وتؤكد الأرقام المستقاة من تقارير البنك الدولي، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNDP)، والمؤسسات البحثية، وجود قفزة تاريخية في معدلات الاعتماد على الطاقة النظيفة، ويمكن تلخيص أبرزها في الجدول التالي:
أثر الطاقة النظيفة في حماية الإنسان والتربة
الربط بين استغلال الطاقة النظيفة والمحافظة على البيئة يمثل تطبيقاً عملياً للمفهوم الإنساني والبيئي الشامل. فالاعتماد على الشمس يساهم مباشرة في صون الحياة، ويتجلى الأثر الإيجابي للاعتماد على الطاقة الشمسية في النقاط التالية:
• التخفيف من الاحتباس الحراري: من خلال تقليص ملايين الأطنان من انبعاثات الغازات الدفيئة سنوياً، والتي كانت تنتج عن احتراق وقود الديزل والمازوت في المولدات التقليدية.
• المحافظة على نقاء الهواء والتربة: الحد من تسرب المخلفات النفطية السامة وزيوت المحركات إلى المياه الجوفية والأراضي الزراعية، مما يترتب عليه تراجع الأمراض الصدرية والسرطانية الناتجة عن العوادم الكثيفة وسط التجمعات السكانية.
• صون النسل والحرث: حماية الأراضي الزراعية (الحرث) من الموت الكيميائي والتصحر، وتوفير بيئة صحية خالية من التلوث للأجيال القادمة (النسل). ويتوافق هذا التوجه تماماً مع مبادئ وتشريعات الدين الإسلامي الحنيف الذي حث على الاستثمار الرشيد وإعمار الأرض بما ينفع الناس دون إلحاق الضرر بهم، استناداً إلى القاعدة الفقهية الراسخة “لا ضرر ولا ضرار”.
من النفقة التشغيلية إلى الأصول المستدامة
تثبت لغة الأرقام أن مشاريع الطاقة الشمسية هي الاستثمار الأقل كلفة والأعلى جدوى على المدى الطويل، لا سيما في القطاعين الزراعي والصناعي. فالمزارع اليمني الذي كان يقف عاجزاً أمام الارتفاع المستمر والجنوني لأسعار الديزل وانقطاعه المتكرر، وجد في المنظومة الشمسية حلاً جذرياً يضمن استدامة إنتاجه.
وفي حين يمثل الوقود الأحفوري التقليدي نفقة تشغيلية مستمرة ومتصاعدة تستنزف السيولة النقدية دون بناء أي عائد رأسمالي، فإن المنظومة الشمسية تشكل أصلاً من الأصول الثابتة والمستدامة; حيث تتركز التكلفة المالية في مرحلة الإنشاء والتأسيس لأول مرة فقط، لتصبح الطاقة بعد ذلك شبه مجانية لعقود طويلة وبأقل تكاليف صيانة ممكنة، مما يرفع ربحية المزارعين، ويخفض كلفة الإنتاج الصناعي، ويدعم استقرار الأمن الغذائي الوطني.
مؤسسات التمويل الأصغر: قيادة التحول الأخضر وتوطين التكنولوجيا
لم يكن لهذا التحول الواسع أن يتحقق وينتشر لولا التدخل الذكي والمدروس من قبل بنوك ومؤسسات وبرامج التمويل الأصغر. فقد أدركت هذه الجهات مبكراً ضرورة تحويل التمويل الاستهلاكي إلى تمويل إنتاجي أخضر، وابتكرت منتجات تمويلية ميسرة تتيح للمزارعين، وأصحاب المهن الصغيرة، والمصانع، امتلاك منظومات طاقة شمسية بضمانات مرنة وأقساط تتناسب مع مستويات دخلهم، مما ساعد في تجاوز عقبة “كلفة التأسيس الأولى” ونشر التكنولوجيا في الريف والحضر على حد سواء.
دور برنامج آزال للتمويل في نشر وتمويل الطاقة النظيفة
يقف برنامج آزال للتمويل الأصغر، إلى جانب برامج بنوك ومؤسسات التمويل الأصغر، كنموذج يُحتذى به في هذا المضمار. فمن خلال شبكة علاقاته الواسعة مع شركائه من موردين وعملاء، تمكن من احتواء المزارعين والفئات المنتجة وتذليل العقبات المالية أمامهم لامتلاك منظومات شمسية متطورة، مما ساهم في تغيير وجه الإنتاج الريفي.
ويتواجد برنامج أزال اليوم بفعالية من خلال 11 فرعاً منتشرة في مختلف محافظات الجمهورية اليمنية، مقدماً حلولاً تمويلية خضراء تركت أثراً بيئياً واقتصادياً ملموساً برهنته المؤشرات الرقمية التالية:
• القدرة الإنتاجية النظيفة المتولدة: ساهم البرنامج في توليد قدرة نظيفة إجمالية تجاوزت 4 ميجاوات / ساعة من الطاقة، مما يعني تشغيل مئات الآبار والمزارع والمنشآت الحيوية دون انقطاع.
• الأثر البيئي المباشر: ساهمت هذه التمويلات في خفض انبعاثات الكربون بمقدار 3.5 طن / ساعة، وهو رقم يجسد حجم المساهمة المحلية الفعالة في مكافحة التغير المناخي وحماية الغلاف الجوي (4).
معاً نحو اقتصاد مرن ومستقبل واعد بالحياة
تبرهن البيانات والأرقام الميدانية أن الطاقة الشمسية في اليمن تجاوزت مرحلة “الحل المؤقت” لتصبح الركيزة الأساسية لمرونة الاقتصاد الوطني. وأمام هذه الحقائق، يملي الواجب المهني والوطني على كافة الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والمؤسسات الإعلامية والمصرفية، الوقوف بقوة ودعم الجهات المموّلة والراعية لهذه المشاريع النظيفة.
وفي ضوء ما تقدم نحن اليوم في اليمن بحاجة إلى صياغة استراتيجية وطنية شاملة لتشجيع أصحاب الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية على تبني هذا النهج الأخضر المستدام، وتسهيل ربطهم بممولي ومزودي تقنيات الطاقة الشمسية.
وبحاجة إلى ألا ننظر إلى هذه الجهات التمويلية كبنوك ومؤسسات مالية جامدة، بل كجهات ومؤسسات صانعة للأمن الاستراتيجي؛ فالاستثمار المستدام في الشمس هو الضامن الأساسي لبناء اقتصاد يمني قوي، مرن، ومستقل، ينأى بنفسه عن أزمات الطاقة والوقود العالمية، ويحمي مقدرات الأجيال القادمة لبناء غدٍ أفضل.
*مدير العمليات في برنامج آزال للتمويل الأصغر الإسلامي