جرس إنذار على الحدود: هل ينجح الاقتصاد التونسي في امتصاص صدمات ليبيا؟
18 Aug, 2026
مشاركة::
الإقتصاد 360:
لم تعد رياح الأزمات في ليبيا تهب بمعزل عن الشارع التونسي؛ فكل اهتزاز أمني أو سياسي يضرب الجار الغربي يترك صداه المباشر وبشكل فوري في العمق التونسي، ولا سيما في الجنوب الذي عاش عقوداً متكاملة على وقع حركة دائبة من التجارة، وتدفق رؤوس الأموال، وتنقل السلع والأشخاص.
ومع تصاعد وتيرة التوتر الأمني الأخير حول المؤسسات المالية واستهداف منشآت النفط والطاقة في الغرب الليبي، تجددت المخاوف بحدة حيال تداعيات قاسية قد تصيب شرايين الاقتصاد التونسي، مهددة استقرار المعابر الحدودية وتدفقات العملة الأجنبية والنشاط التجاري في المناطق الأكثر حساسية.
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت تتعرض فيه البنية النفطية الليبية لهجمات متكررة، بعدما استهدفت طائرات مسيّرة منشآت لتخزين الوقود في مجمع الزاوية النفطي، وتقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته بسبب أزمة إدارة المؤسسة النقدية. وبسبب الارتباط الوثيق بين اقتصادي البلدين، غالباً ما تصل شظايا الأزمات الليبية إلى تونس في وقت سريع، لتظهر في شكل تراجع للمبادلات التجارية البينية الرسمية وغير الرسمية، فضلاً عن تقلص تدفقات الليبيين الذين يوفرون روافد مهمة لقطاعي الخدمات والصحة.
ويرتبط الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة بقطاع المحروقات والطاقة، ما يجعل أي اضطراب في إنتاج النفط أو تصديره أو إدارة عائداته قادراً على الانتقال سريعاً إلى مستويات الإنفاق والاستهلاك والواردات وحركة العملة.
ويقول رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان والباحث المختص في الشأن الليبي، مصطفى عبد الكبير، إن اقتصاد تونس في مرمى الأزمات الليبية اقتصادياً واجتماعياً وطاقياً، مرجحاً إمكانية تراجع مؤشرات المبادلات التجارية بين البلدين هذا العام بسبب صعوبات تدفق السلع والأشخاص وتأثيرات الأزمة المصرفية على قدرة الليبيين على الإنفاق. وسجلت المبادلات التجارية بين تونس وجارتها الجنوبية العام الماضي انتعاشة، نتج منها ارتفاع بنسبة 11% مقارنة بعام 2024، لتصل قيمتها إلى أكثر من 2.8 مليار دينار، من بينها أكثر من 2.4 مليار دينار صادرات تونسية إلى ليبيا.
ويؤكد عبد الكبير، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن اقتصاد تونس شديد الارتباط باقتصادات دول الجوار، ولا سيما ليبيا، التي تمثل منفذاً مهماً للسلع التونسية وسوقاً للعمالة، إلى جانب الرافد الطاقي الذي يصل إلى تونس في شكل بنزين أو إمدادات كهربائية، معتبراً أن استهداف مصفاة الزاوية ستكون له تأثيرات سريعة على التبادل الطاقي مع تونس.
وأشار المتحدث إلى أن الاقتصاد الليبي لا يعتمد فقط على قدرة الشركات التونسية على التصدير، بل أيضاً على قدرة المستورد الليبي على الحصول على العملة وتمويل عمليات الشراء، وعلى قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات، وعلى استقرار المعابر والطرق البرية. واعتبر أن أكثر السيناريوهات حساسية بالنسبة إلى الشركات التونسية يتمثل في انتقال الأزمة من المجال السياسي إلى قنوات الدفع والتسوية المالية، مشيراً إلى أن أي ضربة مزدوجة تطاول النفط ومصرف ليبيا المركزي قد تكون لها تداعيات تتجاوز السوق الليبية، لأن النفط يوفر العملة الصعبة التي تموّل جانباً مهماً من الواردات والاستهلاك، فيما يمثل المصرف المركزي حلقة أساسية في إدارة السيولة والعملة الأجنبية والتمويل الحكومي.
وبحسب عبد الكبير، تحتاج المبادلات التجارية الرسمية بين البلدين إلى منظومة مصرفية مستقرة تسمح للمستورد الليبي بتحويل قيمة السلع إلى المصدر التونسي، لافتاً إلى أن أي اضطراب في مصرف ليبيا المركزي، أو في إدارة العملة الأجنبية، أو في المصارف التجارية، يمكن أن يؤدي إلى تأخير المدفوعات أو ارتفاع كلفة التحويل أو دفع الشركات إلى البحث عن قنوات بديلة. ورغم أنه يصعب قياس التجارة غير الرسمية بين تونس وليبيا بدقة، فإن هذا النشاط يمثل حصة مهمة من إجمالي الواردات التونسية وأحد عوامل الاستقرار الاجتماعي في المحافظات الحدودية من الجانبين.
وتبرز أهمية هذه التجارة في كونها لا تقتصر على المهربين أو التجار الكبار، بل تمتد إلى شبكة واسعة من النقل والتخزين والبيع والخدمات والمقاهي والمطاعم والأسواق والورش والأنشطة المرتبطة بحركة المسافرين.
ويقول الباحث مصطفى عبد الكبير إن التجارة الحدودية توفر دخلاً مباشراً وغير مباشر لشرائح واسعة من السكان، معتبراً أن تراجع حركة العبور أو إغلاق الحدود ينقل الصدمة بسرعة إلى الأسواق المحلية. وتفيد تقديرات محلية بأن أكثر من 20 ألف عائلة في الجنوب التونسي ترتبط على نحو مباشر أو غير مباشر بالتجارة الحدودية، سواء عبر نقل البضائع أو بيعها أو الخدمات المرتبطة بها. كما تؤكد التقديرات ذاتها أن مدينة بنقردان وحدها تعتمد بنسبة كبيرة على النشاط التجاري مع ليبيا، إذ يوفر هذا القطاع مورد رزق لآلاف الشباب في ظل محدودية النسيج الصناعي وارتفاع معدلات البطالة.
وتصل نسبة البطالة في بعض ولايات الجنوب إلى أكثر من 20%، مقابل معدل وطني يدور حول 15%، ما يجعل أي تعطيل للحركة التجارية ينعكس بسرعة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ويشبه العاملون في التجارة الحدودية عمال المياومة، إذ يعتمدون على الرحلات اليومية لجلب السلع، سواء عبر العربات أو سيراً على الأقدام من المناطق الليبية المتاخمة للحدود. وبالإضافة إلى المبادلات التجارية الرسمية وغير الرسمية، تستفيد القطاعات الخدمية التونسية من تدفق السياح الليبيين الذين يفدون بأعداد كبيرة، سواء لغايات ترفيهية أو للعلاج، إذ تمثل تونس بالنسبة إلى الليبيين وجهة مهمة للعلاج والخدمات الصحية، وهو ما خلق حركة مالية تشمل المصحات الخاصة والنقل والإقامة والمطاعم والخدمات.
وقد ناقشت تونس وليبيا في عام 2025 آليات لتحسين التكفل بالمرضى الليبيين، بما في ذلك منصة موحدة لمتابعة المريض وإنشاء شباك موحد في المصحات والمستشفيات. غير أن أي تراجع في القدرة الشرائية الليبية أو اضطراب في التحويلات المصرفية يمكن أن ينعكس بالتالي على هذه الخدمات، ولا سيما أن جانباً من الإنفاق الليبي في تونس المتعلق بالعلاج يمر عبر التحويلات الاجتماعية التي تصرفها الحكومة الليبية لفائدة مواطنيها.