شهد مقر البنك الوطني للإسكان بباب الزوار، صباح اليوم، انطلاق أعمال الندوة الوطنية "البنوك رافعة الاقتصاد الوطني – رؤية استشرافية". الندوة التي نظمتها مؤسسة "صناعة الغد" الجزائرية، حظيت برعاية وإشراف من بنك السلام والبنك الوطني للإسكان. وعرفت الفعالية حضوراً بارزاً لعدد من الوزراء السابقين، وممثلي المصارف والمؤسسات المالية، بالإضافة إلى نخبة من الخبراء والأكاديميين والمسؤولين من مختلف القطاعات؛ حيث تم الإعلان عن تأسيس خلية لليقظة البنكية بهدف رصد تحديات القطاع المصرفي ومواكبتها حتى عام 2050.
وتُوجت أشغال الندوة بالإعلان عن تأسيس "خلية اليقظة البنكية"، وهي مبادرة أعلن عنها رئيس المؤسسة الجزائرية "صناعة الغد" والوزير السابق بشير مصيطفى، بهدف إرساء آلية دائمة لمتابعة واقع المنظومة البنكية واستشراف تحدياتها واقتراح الحلول الكفيلة بتعزيز مساهمة البنوك في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.
"اليقظة البنكية وتطبيقاتها على البنوك الجزائرية "
استهل الوزير السابق ورئيس المؤسسة الجزائرية "صناعة الغد" بشير مصيطفى مداخلته بالتأكيد على أن تبني اليقظة البنكية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لمواكبة التحولات الاقتصادية والمالية التي تشهدها الجزائر والعالم، مشيرًا إلى أن القطاع البنكي مطالب بالانتقال من التسيير الإداري التقليدي إلى منظومة تقوم على الاستشراف، وتحليل المخاطر، وصناعة القرار المبني على المؤشرات.
واستعرض المتحدث مسار الإصلاحات البنكية التي باشرتها الجزائر منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، لاسيما بعد تعديل قانون النقد والقرض سنة 1991 وإطلاق السوق المالية سنة 1993، مع اعتماد البنوك الخاصة وفتح المجال أمام الاستثمار المالي. ورغم مرور أكثر من 35 سنة على هذه الإصلاحات، أكد أن المنظومة البنكية بحاجة إلى تقييم شامل لقياس مدى مساهمتها في تحقيق الشمول المالي ودعم التنمية الاقتصادية.
وأوضح أن مؤشرات القطاع البنكي لا تزال دون المستوى المطلوب، مشيرًا إلى أن عدد الوكالات البنكية في الجزائر يقدر بـ1186 وكالة فقط، وهو معدل انتشار ضعيف مقارنة بالمعايير الدولية، كما أن عدد الحسابات البنكية لا يعكس مستوى الشمول المالي المنشود، الأمر الذي يستدعي توسيع الشبكة البنكية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والمتعاملين الاقتصاديين.
وتطرق مصيطفى إلى أبرز التحديات التي تواجه البنوك الجزائرية، وفي مقدمتها استمرار تداول كتلة نقدية ضخمة خارج القنوات الرسمية، وهو ما يحرم البنوك من موارد مالية مهمة، ويضعف قدرتها على تمويل الاستثمار، ويساهم في تفاقم التضخم واتساع الاقتصاد الموازي، فضلاً عن انعكاساته السلبية على قيمة العملة الوطنية والتوازنات المالية للدولة.
كما أرجع ضعف الادخار البنكي إلى عدة عوامل، من بينها الاعتبارات الاجتماعية والدينية المرتبطة بعزوف بعض المواطنين عن التعامل مع البنوك التقليدية، إضافة إلى ضعف الثقة في الخدمات البنكية، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وغياب الحوافز التي تشجع على توجيه المدخرات نحو الجهاز المصرفي.
وأشار إلى أن البنوك الجزائرية ما تزال متحفظة في تمويل القطاعات الإنتاجية، خاصة الفلاحة والمؤسسات الناشئة، بسبب محدودية الودائع، وغياب آليات فعالة لضمان القروض، وضعف ثقافة الاستثمار وإدارة المخاطر، إلى جانب المنافسة التي يفرضها الاقتصاد الموازي في استقطاب رؤوس الأموال.
وفيما يخص تمويل الاقتصاد، اعتبر أن استمرار الاعتماد على الخزينة العمومية لم يعد كافيًا لمواكبة متطلبات التنمية، داعيًا إلى تنويع مصادر التمويل من خلال تفعيل صناديق الاستثمار العمومية والخاصة، وإنشاء صناديق لتوظيف رؤوس الأموال، وتنشيط البورصة الجزائرية وفق آليات حديثة، مع تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز ثقة المتعاملين الاقتصاديين في السوق المالية.
واختتم بشير مصيطفى مداخلته بالإعلان عن تأسيس "خلية اليقظة البنكية" التابعة للمؤسسة الجزائرية "صناعة الغد"، باعتبارها آلية دائمة لرصد وتحليل مؤشرات القطاع البنكي واستشراف آفاقه إلى غاية سنة 2050.
"بنك السلام يؤكد التزامه بمواكبة التحولات الاقتصادية وتمويل الاستثمار"
أكدت ممثلة بنك السلام الجزائر، حنان شرفي، في كلمتها على هامش أشغال الندوة الوطنية الموسومة بـ"البنوك الجزائرية رافعة الاقتصاد الوطني"، أن التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، في ظل رؤية السلطات العمومية لتحديث المنظومة المالية، تفرض على المؤسسات البنكية الاضطلاع بدور محوري في دعم التنمية الاقتصادية وتمويل الاستثمار.
وأوضحت أن بنك السلام الجزائر يواصل، انطلاقًا من هذه الرؤية، التزامه بالإسهام الفاعل في تمويل الاقتصاد الحقيقي، من خلال تطوير منتجات وخدمات مصرفية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، بما يعزز ثقة المتعاملين ويوسع قاعدة المستفيدين من الصيرفة الإسلامية، ويسهم في توجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج.
وأضافت أن الصيرفة الإسلامية تمثل اليوم إحدى الركائز الوطنية المهمة لتنويع مصادر التمويل، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام، مؤكدة حرص البنك على مواكبة مختلف الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تشهدها البلاد.
وأعربت شرفي عن أملها في أن تشكل هذه الندوة فضاءً لتبادل الخبرات والرؤى بين مختلف الفاعلين، والخروج بتوصيات عملية تعزز دور البنوك، لاسيما البنوك الإسلامية، في مواكبة التحولات الاقتصادية وترسيخ مساهمتها في تحقيق التنمية الوطنية.
وفيما تناولت باقي المحاضرات محاور متعلقة بتحديات المنظومة البنكية وآفاق تطويرها، حيث قدم هزاري سفيان، إطار بالبنك العربي، مداخلة بعنوان "واقع الشمول المالي في الجزائر"، تطرق خلالها إلى أهمية توسيع دائرة الاستفادة من الخدمات البنكية وتعزيز اندماج مختلف فئات المجتمع في النظام المالي، باعتبار الشمول المالي أحد المؤشرات الأساسية لقياس فعالية القطاع البنكي وقدرته على مرافقة التنمية الاقتصادية.
كما ركز على ضرورة تطوير الخدمات الرقمية وتسهيل الوصول إلى المنتجات البنكية، بما يساهم في استقطاب المدخرات وتوجيهها نحو القنوات الرسمية.
من جهته، استعرض الخبير المالي نبيل بوجمعة في مداخلته الموسومة "مشاكل البنوك في الجزائر" أبرز العراقيل التي تحد من فعالية الجهاز المصرفي، متناولًا التحديات المرتبطة بتمويل الاقتصاد، محدودية بعض الآليات البنكية، الحاجة إلى تحديث طرق التسيير وتعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر، إلى جانب ضرورة رفع قدرة البنوك على مواكبة احتياجات المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين.
أما بروفيسور موسى بوكريف، أستاذ الاقتصاديات الكمية بجامعة بجاية، فقد تناول موضوع "الاستشراف البنكي في خدمة الاستثمار الفعلي للاقتصاد الوطني"، حيث أكد على أهمية اعتماد أدوات استشرافية حديثة تمكن البنوك من قراءة التحولات الاقتصادية المستقبلية واتخاذ قرارات مبنية على البيانات والتحليل العلمي، بما يسمح بتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة وتعزيز دور القطاع المصرفي كفاعل أساسي في تحقيق النمو والتنمية المستدامة.
وقد شكلت مختلف هذه المداخلات أرضية للنقاش بين الخبراء والفاعلين في القطاع البنكي، حول سبل الانتقال بالمنظومة المصرفية الجزائرية نحو نموذج أكثر مرونة وابتكارًا، قادر على دعم الاستثمار وتحقيق الأهداف الاقتصادية الوطنية.
مريم بعيش- بركة نيوز
لمتابعة صفحة الفيس بوك اضغط على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/economicsye360
لمتابعة حساب منصة اكس (تويتر) سابقا اضغط الرابط التالي: