ألقت أزمة الطاقة والتغيرات المناخية بظلالها على قطاع السياحة الحيوي في تونس؛ فبعد بداية واعدة في النصف الأول من العام، تسببت الارتفاعات الحادة في درجات الحرارة وما صاحبها من انقطاعات في الكهرباء والمياه في إرباك النشاط الفندقي والخدمي بالشهور الساحلية، مما أدى إلى تأخر انطلاق موسم الذروة السياحي الذي ينشط عادة بدءاً من يوليو/تموز.
وفي مناطق سياحية، تحولت أجهزة التكييف من عنصر رفاه إلى خدمة أساسية يصعب الاستغناء عنها، بينما جعلت الانقطاعات الكهربائية المتكررة تشغيلها أمراً غير مضمون، ما تسبب في ارتباك الموسم.
ورغم تأكيد مهنيي السياحة عدم تسجيل إلغاءات للحجوزات، إلا أن تقليص مدة الإقامة لا يزال واردًا، ما قد يبعثر التوقعات المتفائلة بتحقيق موسم قياسي.
تأتي الاضطرابات الحالية في وقت كانت السياحة التونسية تراهن على مواصلة الأداء القياسي الذي سجلته في 2025، عندما تجاوز عدد الزوار الدوليين 11 مليون سائح، بزيادة تقارب 10% عن 2024 و20% مقارنة بمستوى 2019، فيما ارتفعت الوفود الأوروبية بنحو 7%.
كما واصلت العائدات السياحية نموها خلال النصف الأول من 2026، إذ بلغت نحو 3.352 مليارات دينار (1.14 مليار دولار) حتى نهاية يونيو/حزيران، بزيادة 8.3% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.
ويقول عضو جامعة وكالات الأسفار ظافر لطيّف إن الموسم السياحي هذا العام بدا مرتبكًا بسبب تأثيرات العوامل المناخية وموجات الحر الشديدة التي شهدتها المنطقة المتوسطية، مؤكدًا تسجيل تأخر في ذروة الموسم مقارنة بالمواسم الماضية.
وأكد لطيف في تصريح لـ"العربي الجديد" أن تونس عادة ما تسجل ذروة في تدفق السياح خلال شهر يوليو من كل سنة، غير أن موجات الحر القاسية التي مرت بها دول المتوسط وانقطاعات الكهرباء أدت إلى تأخير الرحلات.
وأشار المتحدث إلى أن كبار وكلاء الأسفار والمتعهدين في القطاع أبدوا تفهما لتأثيرات الوضع المناخي، ما جنب القطاع خسائر محتملة بسبب إلغاء الحجوزات، لافتاً إلى أن المشهد وإن بدا مرتبكاً إلا أن الموسم مستمر بشكل جيد ويبدو إيجابياً.
وقال: "عانت أغلبية دول المتوسط والأسواق السياحية التقليدية لتونس بدورها من ارتفاع كبير في درجات الحرارة، وهو ما ساعد على استيعاب صدمة أزمة الكهرباء بعدما شهدت الدول الأوروبية ودول الجوار المغاربية أزمات مماثلة".
ويطاول تأخر تدفق السياح هذا العام الأسواق المغاربية ولا سيما السياح الجزائريين والليبيين. ويمثل السياح الجزائريون منذ سنوات إحدى أهم مجموعات الوافدين إلى تونس، وقد تجاوز عددهم 3 ملايين زائر سنوياً في السنوات الأخيرة.
ويرى عضو جامعة وكالات الأسفار ظافر لطيف أن أزمة صيف 2026 كشفت أن الكهرباء لم تعد قضية تخص الأسر والمؤسسات الصناعية فقط، بل أصبحت جزءاً من القدرة التنافسية للوجهة السياحية.
وأكد المتحدث أنه باتت من الضروري إعادة النظر في هيكلة صناعة السياحة والتسريع في أقلمة القطاع مع التغيرات المناخية والاستجابة لطلبات الأجيال الجديدة من السياح.
وقال: "التغيرات المناخية أصبحت واقعاً جديداً يفترض أن يكون في قلب السياسات العمومية للحفاظ على استدامة القطاع السياحي"، مشيرًا إلى أن تونس تعتمد نموذجاً سياحياً لم يعد قابلاً للاستمرار، حيث لم تراجع البلاد سياسات القطاع منذ أكثر من 30 عاماً، بينما تقوم البلدان المنافسة بمراجعات شاملة لصناعة السياحة بشكل دوري، ما مكنها من رفع إيراداتها في غضون سنوات قليلة.
ومنذ عام 2021، حذرت دراسة أنجزتها وزارة البيئة بالتعاون مع سفارة بريطانيا في تونس من التأثيرات المحتملة للتغيرات المناخية على مختلف الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك صناعة السياحة.
وكشفت الدراسة عن إمكانية تسجيل خسائر تصل إلى 3.6 مليارات دينار في قطاع السياحة، والذي يمثل 14.2% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، بسبب التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري في أفق سنة 2100، بالإضافة إلى فقدان قرابة ألف موطن شغل سنوياً.
وأظهرت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة بسبب التغير المناخي سيتسبب في نفور السياح من تونس بسبب تمركز أغلب الأنشطة السياحية في المناطق الساحلية في فصل الصيف، مما يجعلها أكثر عرضة لارتفاع منسوب مياه البحر والفيضانات والعواصف وارتفاع درجات الحرارة.
وقالت الدراسة إن هناك احتمالات واسعة لنفور السياح من جنوب البحر الأبيض المتوسط حيث تقع تونس والتوجه إلى أماكن سياحية تكون فيها درجات الحرارة منخفضة بسبب التغيرات المناخية.
واقترحت الدراسة بذل الدولة مجهودا بالتعاون مع القطاع الخاص لحماية منشآته المتمركزة على السواحل والشواطئ، وطالبت المنشآت السياحية بالتحكم في استهلاك المياه والطاقة عبر مشاريع وبرامج مشتركة مع الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة والوكالة الوطنية لحماية المحيط، والتوجه إلى السياحة المستدامة أو الإيكولوجية في المناطق الداخلية للبلاد